شفيق طاهر

الأربعاء ١٧ حزيران ٢٠٢٦ - 11:06

المصدر: المدن

الوجه الإرهابي للذكاء الاصطناعي

لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي التوليدي ترفاً تقنياً أو سجالاً داخل شركات التكنولوجيا. فمن زاوية الأمن، تحول هذا المجال إلى عامل جديد في بيئة التهديدات، لا لأنه خلق الإرهاب من عدم، بل لأنه أعاد ترتيب المسافة بين النية والتنفيذ. الخطر الأبرز لا يكمن في ذكاء الأداة بحد ذاتها، بل في قدرتها على جعل المعرفة المتفرقة أكثر سهولة، وإعطاء الذئب المنفرد -الفرد المتطرف والذي يتحرك بمفرده لتنفيذ عمل عنيف- شعوراً بأنه لم يعد وحيداً في مسار التخطيط.

 

من المنتديات المغلقة إلى المرشد الافتراضي

تاريخياً، اعتمدت الذئاب المنفردة، على المنتديات المغلقة، وغرف الدردشة، ومنصات التواصل، وتطبيقات الرسائل المشفرة. كانت هذه البيئات توفر الدعاية والتبرير الأيديولوجي. لكن الوصول إلى معرفة الفعلية كان يتطلب وقتاً، قدرة على البحث وفرزاً بين الصحيح والمضلل. أما أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية فقد غيرت هذه المعادلة عبر تحويل السؤال الغامض إلى جواب مرتب، والنص الطويل إلى خلاصة، من دون أن يحتاج المستخدم إلى شبكة دعم بشرية واسعة.

فاستخدام روبوتات المحادثة أو الأجهزة الذكية في بعض مراحل الاستطلاع أو التخطيط لا يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح موجهاً عملياتياً للإرهاب، لكنه يؤكد أنه اصبح أداة مساعدة قد تختصر الزمن وتخفف العوائق أمام الأفراد الأقل خبرة.

 

كيف تختصر الأدوات التوليدية مسار التخطيط؟

بالنسبة للذئب المنفرد، تقدم هذه الأدوات ثلاث مزايا أساسية. الأولى أنها تجعل الوصول إلى المعلومات أسهل من البحث التقليدي، حيث لا يحتاج المستخدم إلى معرفة مسبقة بالمصادر أو المصطلحات. الثانية أنها تفكك المسائل المعقدة إلى إجابات مبسطة، فتمنح الذئب الذي لا يملك خبرة انطباعاً بأن ما كان خارج قدرته أصبح ممكناً. الثالثة أنها تقدم استجابة شخصية، تتكيف مع أسئلة المستخدم وسياقه ومخاوفه، وهذا يختلف جذرياً عن قراءة دليل ارشاد مطبوع أو تصفح نتائج بحث عامة.

 

البعد النفسي

الأخطر من ذلك هو البعد النفسي. فالذئب المنفرد غالباً لا يبحث فقط عن معلومات، بل عن رفيق افتراضي، وإحساس بأن مشروعه قابل للتنفيذ. لذلك يمكن لروبوت المحادثة، أن يؤدي دور المعلم الافتراضي أو المرشد الصامت، خصوصاً عندما ينجح المستخدم في تدوير أسئلته بلغة تبدو بريئة أو عامة. وهذا يضع شركات التكنولوجيا وأجهزة الأمن أمام تحدٍ مزدوج، منع او حجب المعلومات الضارة من جهة، وعدم تحويل كل فضول أو بحث مشروع إلى اشتباه أمني من جهة أخرى.

مع ذلك، يجب الحذر من إثارة الذعر. فالأدلة المتاحة لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي التوليدي غير طبيعة الإرهاب جذرياً أو منح الأفراد قدرات خارقة. فما زالت النية، والموارد، والجرأة، والاحتكاك بالواقع، والعوامل النفسية والاجتماعية، عناصر حاسمة في انتقال الشخص من التفكير إلى الفعل. كما أن هذه الأدوات تخطئ، وتبالغ، وتنتج أحياناً إجابات غير موثوقة.

 

اختصار المسافة بين النية والفعل

المطلوب أمنياً ليس منع التكنولوجيا أو التعامل معها كخطر مطلق، بل بناء طريقة أكثر ذكاء للتعامل معها. فالأهم هو تطوير أدوات إنذار مبكر تراقب سلوك الأشخاص واتجاهاتهم، لا الاكتفاء بالكلمات التي يستخدمونها فقط. كما يجب تعزيز التعاون بين شركات الذكاء الاصطناعي والأجهزة الأمنية، لكن ضمن قوانين واضحة تحمي الحقوق والحريات.

ولا يقل الجانب الوقائي أهمية عن الجانب الأمني. فالذئب المنفرد لا يبدأ عادة من سؤال خطير يطرحه على برنامج ذكاء اصطناعي، بل من حالة أعمق، عزلة، غضب، شعور بالضياع، وأفكار تبرر العنف وتجعله يبدو مقبولاً في نظره.

لم يخلق الذكاء الاصطناعي التوليدي ظاهرة الذئاب المنفردة، لكنه سهّل الطريق أمام بعضهم. فقد منحهم قدرة أسرع على الوصول إلى المعلومات، وشعوراً زائفاً بالثقة والقدرة. وفي المجال الأمني، قد تكون هذه الاختصارات خطيرة، لأنها تجعل الشخص محدود الخبرة يعتقد أنه قادر على تنفيذ ما يفكر فيه، وقد تدفعه إلى التحرك قبل أن ترصده الأجهزة الأمنية بالطرق التقليدية.

لذلك، فإن التحدي في المرحلة المقبلة لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بطريقة فهمنا لها وتنظيمنا لاستخدامها. فالمطلوب هو الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في المجالات المفيدة، مع منعه من أن يتحول إلى أداة تساعد الأفراد المعزولين على الاقتراب من العنف.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها