المصدر: صوت لبنان
ايران والحزب والحرب بالوكالة
أثار خطاب نعيم قاسم، الذي اتسم بالتصعيد بلغة مبتذلة، وصفتها الصحافة بالمقذعة، تهجّم فيها على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بلغة تهديدية، تذكرنا بتهديدات نصرالله ايام العزّ. هذا الخطاب أثار الكثير من الردود العاصفة.
لا يمكن فصل حفلة الشتائم المستنكرة هذه، التي شارك فيها اعلاميو الحزب، عن وضع ايران الهش والقلق، إثر المظاهرات الواسعة التي انتشرت على معظم الاراضي الايرانية، وتهديدات الرئيس الاميركي.
لم يعد سلاح حزب الله في المرحلة الراهنة، جزءاً لا يتجزأ من البنية الردعية الإيرانية الإقليمية فقط، بل خطها الدفاعي الأول، بعد انهيار سوريا الأسد.
وطهران تحرّم، لهذا السبب، على الحزب أي تنازل لصالح الدولة اللبنانية.
هذا الدور للحزب هو التطبيق المثالي لما يسمى ” الحرب بالوكالة”.
فما هي الحرب بالوكالة؟
(Proxy War) انها نوع من النزاعات، حيث لا تكون الدول هي التي تقاتل مباشرة ضد بعضها البعض، بل تقوم بدعم أطراف أخرى (ميليشيات، فصائل او تنظيمات) مالياً، عسكرياً وسياسياً، ليجسدوا مصالحها على أرض الصراع.
كيف تختلف الحرب بالإنابة عن الحرب التقليدية: لم تعد الحرب الحديثة تُحسم عبر المواجهات المباشرة بين الدول، بل عبر دعم مثل هذه الكيانات التي تعمل نيابةً عن دولة قوية. وهي تُسلَّح وتُموَّل وتُمنح غطاءً سياسياً، لكنها تبقى خارج الإطار الرسمي للدولة المستهدفة.
السؤال هنا ليس من يقاتل، بل من يدير القتال فعلاً؟ ومن يتحكم في صنع القرار الاستراتيجي؟ أي من هو القائد الحقيقي خلف هذه الحرب المخفية؟
تلجأ الدول الى هذا الأسلوب عندما تعجز عن، أو لا ترغب، في المواجهة المباشرة. او عندما تريد الإضرار بالدولة الهدف دون أن تكشف نفسها. ومثل هذه الحرب تتيح لها الانكار سياسياً والتملص من المسؤولية.
هذا الحل للحرب بالوكالة ينجح في المدى القصير، لكنه يتحول في الواقع الى قنبلة موقوتة عندما تتحوّل الدولة المستهدفة إلى ساحة صراع داخلي طويل. ما يتسبب بإفقاد النظام المركزي للدولة المستهدفة احتكار القوة، فيؤدي الى تفكك مؤسسات الدولة.
لقد تحوّل حزب الله مع الوقت، إلى قوة بلا ضوابط، غير خاضع للسيطرة المركزية، فزعزع سيادة الدولة واستقرارها الداخلي، لأنه حوّل شرعنة العنف من خارج الدولة، الى ممارسة عادية، فوصل الامر الى تقويض مفهوم الدولة ذاته.
تُظهر دراسة ماجدا لونغ حول “العمل السري والحرب بالوكالة” (في أحد مراجع الدراسات الأكاديمية حول موضوع الحرب بالوكالة لراوتلدج)، أن هذا النمط من الصراعات لا يُقاس بنجاحه التكتيكي والآني، بل بقدرته على إنتاج عائد استراتيجي مستدام، وبمدى قدرة الدولة الراعية على التحكم بأداتها من دون أن تتحول هذه الأداة إلى عبء بنيوي.
وعند تطبيق هذا الإطار على الحالة الإيرانية، ولا سيما نموذجها حزب الله، يتبيّن أن الإشكالية لا تكمن في فقدان السيطرة، بل في استمرار استخدام الأداة بعد استنفاد وظيفتها، وفي انتقال كلفة هذا الاستمرار من ساحة الصراع إلى الداخل الإيراني.
فمنذ تأسيسه شكّل حزب الله، نموذجاً بدا مثالياً للحرب بالوكالة: بيئة لبنانية هشّة، فراغ سيادي، شرعية مقاومة إسرائيل، ورأسمال عقائدي قابل للتعبئة العابرة للحدود. ضمن هذا السياق، نجحت إيران لعقود في إدارة صراع غير مباشر مع إسرائيل والولايات المتحدة، من دون الانجرار إلى مواجهة شاملة؛ محققة بذلك أحد الشروط الأساسية التي تشير إليها ماجدا لونغ: تجنّب الحرب المباشرة عبر أداة محلية عالية الانضباط.
لكن هذا النجاح التكتيكي أخفى داخله فشلاً استراتيجياً مؤجّلاً. فشلت الاستراتيجية الايرانية لفقدانها أحد أهم شروط العمل السري، أي إمكانية الإنكار. في حالة حزب الله، اصبحت العلاقة علنية، والخطاب مباشراً ( اكلنا وشربنا ومالنا من ايران….). لم يعد القرار قابلاً للفصل بين طهران والضاحية. وبهذا سقطت أحد أعمدة العمل السري، وتحولت الأداة الى عبء استراتيجي.
وحزب الله تحوّل عبئاً اقتصادياً على إيران، ورفضه احد شعارات المنتفضين الايرانيين، وعبئاً سياسياً في المحافل الدولية، وسبباً إضافياً للعقوبات.
كما بات يُنظر للحزب كقوة غير شرعية فوق الدولة، ولم يعد يُعتبر كحركة مقاومة.
وعندما يخسر الوكيل حاضنته، يخسر فعاليته.
أما الحاضنة فتوكل حالياً أمرها لله، على حساب توازنها، ومستقبلها ومستقبل أولادها المسدود، نحو الانتحار. ناهيك عن مستقبل ايران نفسها، التي تدفع ثمن سياساتها الخبيثة.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها