سام منسّى

الأثنين ١١ كانون الثاني ٢٠٢١ - 09:22

المصدر: الشرق الأوسط

بايدن والقمة الخليجية والعبور الآمن

AA

وضع الأسبوع الأول من عام 2021 ما حبلت به السنة الماضية من مآثر، فشهدنا في الولايات المتحدة تداعيات استمرار السجال المستهجن والمعيب بشأن نتائج الانتخابات الرئاسية، مع اجتياح مبنى الكونغرس من قبل أنصار الرئيس دونالد ترمب المتعنت في رفضه الاعتراف بالهزيمة، في خطوة لم تعرفها أميركا منذ أن هددت المسيرات التي قادها جاكوب كوكسي عام 1884 مقر السلطة التشريعية في البلاد. وحجب هذا الحدث فوز الديمقراطيين بمقعدي مجلس الشيوخ عن ولاية جورجيا، في انتصار يكرس لهم الغلبة على الكونغرس بمجلسيه، ما يشكل صفعة لترمب، بعد إمساك المؤسسات الدستورية الأميركية بزمام الأمور، وعودة التئام جلسة المصادقة على نتائج انتخابات المجمع الانتخابي، وإعلان نائب الرئيس مايك بنس فوز جو بايدن، وأن عملية انتقال السلطة ستتم بشكل طبيعي، ما يعني بداية نهاية فقاعة «الترمبية» التي استمرت أربع سنوات.

والحدث الثاني الموروث من العام المنصرم هو ارتفاع حدة التوتر بين طهران وواشنطن، والذي وصفه البعض بالبديل عن حرب ضائعة. وإذا كنا قد أعربنا سابقاً عن خشية من أن يؤدي أي حادث غير مقصود أو نزق القادة المعنيين إلى الانزلاق إليها، فقد أصبحت اليوم متعذرة أكثر مع وضع ترمب نفسه في عنق زجاجة، بعد اعتباره في الداخل والخارج مسؤولاً عن الاعتداء على مبنى الكونغرس، وما قد يستتبعه من إجراءات ضده.

الحدث الثالث القديم الجديد هو انتشار فيروس «كورونا» بحلة جديدة وبوتيرة سريعة ومقلقة، والإجراءات الصارمة التي تتخذها دول عدة في العالم للحد من الإصابات.

أما الحدث المُفرح والإيجابي الوحيد في الأسبوع الأول من العام الجديد، فهو المصالحة الخليجية، وانعقاد القمة الـ41 لدول مجلس التعاون الخليجي في السعودية، بمشاركة مصرية وأميركية، وتوقيع اتفاق العلا الذي كرس المصالحة بين قطر وأربع دول عربية، بعد قطيعة استمرت منذ عام 2017. ويمكن قراءة القمة والمصالحة التي أدت إليها عبر عدسات ثلاث؛ الأولى عربية – خليجية، والثانية أميركية، والثالثة إيرانية.

من العدسة العربية – الخليجية: أعادت القمة أولاً الزخم إلى مجلس التعاون الخليجي، وفعَّلت دور دول التيار العربي المعتدل في مرحلة مواجهة شرسة، وعلى أكثر من صعيد، مع ما تسمى دول الممانعة، أي إيران وحلفاءها في الإقليم. من ناحية ثانية، فهي تؤشر إلى بداية تطويق تداعيات الخلاف الخليجي مع قطر؛ لا سيما لجهة ما جنته جراءه قوى الممانعة، إضافة إلى تركيا وجماعة «الإخوان المسلمين».

أما النتيجة الثالثة للقمة الخليجية، فتكمن في أن مخرجاتها ستشهد دفعاً باتجاه مسار تطبيع العلاقات مع إسرائيل الذي بدأته الإمارات والبحرين برعاية أميركية، والتحق به السودان والمغرب، بما يسمح بفتح الباب أمام عمليات تطبيع جديدة مع دول عربية أخرى. والنتيجة الرابعة والأهم هي أن لم الشمل الخليجي بخاصة والعربي بعامة، يشكل عنصراً مهماً ورئيسياً في تفعيل العلاقة مع الإدارة الأميركية الجديدة، بعيداً عن التباينات والشقوق الداخلية التي يمكن أن يتسرب عبرها ما ليس في صالح المنطقة.

من العدسة الأميركية: أهم إنجازات قمة العلا الخليجية لا سيما لإدارة بايدن، تحقيق الاستقرار في الخليج، علماً بأن قلة من السياسيين في واشنطن يفقهون معنى وأهمية ذلك للمصالح الأميركية، ولا يقدرون للأسف حجم سلبيات استمرار الخلافات بين دوله.

النتيجة الثانية أميركياً تأتي لصالح إدارة ترمب، وعلى الرغم من حملات التشنيع المبررة ضدها وما تعرضت له بعد الهجوم على الكابيتول، فإنها أظهرت أنها لا تعمل فقط لتأمين مصالح إسرائيل؛ بل مهتمة أيضاً بالمصالح العربية ورعايتها. وقد تجلى هذا الاهتمام عبر حضور صهر ومستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنير القمة الخليجية، والزخم الذي وضعته لتحقيق هذه المصالحة. وعلى الرغم من أن هذه المصالحة تضاف إلى ما قد يصح وصفه بإنجازات إدارة ترمب في المنطقة، فإن نتائجها الإيجابية ستجير لمصلحة إدارة بايدن بعد العشرين من الشهر الجاري. ونأتي هنا إلى النتيجة الثالثة، وهي أن الطريق بات معبداً أكثر أمام الإدارة الجديدة لوضع سياسة واضحة تجاه المنطقة كلها.

أما النتيجة الرابعة أميركياً، فمآلها أن القمة تقوي حلفاء واشنطن في المنطقة عبر الحد من التباينات بينهم، بما يعزز مواجهة الدور الإيراني التوسعي في الإقليم التي تدخل ضمن سياسة وأهداف واشنطن الرئيسية في هذه المرحلة كما في المستقبل مع الإدارة الجديدة. فالمصالحة الخليجية ستكون من دون شك ورقة لصالح واشنطن في مفاوضاتها مع إيران يوم تبدأ.

والعامل الأخير في الحسابات الأميركية هو أن المصالحة الخليجية تحمي مسار التطبيع الذي بدأ السنة الماضية، وقد تساعد على فتح المجال لمسارات جديدة.

تبقى القمة عبر العدسة الإيرانية التي تسجل برمتها مواقف سالبة لا تصب في مصالح إيران وأهدافها، فكل الإيجابيات التي تجنيها أميركا ودول الخليج من هذه القمة هي خسائر في المقلب الإيراني، على الرغم من أن البعض يعتبر أن قطر ليست ذات أهمية رئيسية في الحسابات الإيرانية. وبمعزل عن خطأ هذا الرأي، يبقى تماسك القوى المناهضة للمشروع الإيراني في الإقليم، وإصرارها على الوقوف في وجه إيران وممارساتها كقوة واحدة منسجمة، عاملاً مهماً سيتعين على طهران أخذه في الاعتبار من جهة، كما يعتبر عاملاً مؤثراً في موقف الإدارة الجديدة تجاه إيران وممارساتها بعامة والملف النووي بخاصة.

وعلى الرغم من كل ما أسلفناه، تبقى محصلة هذه القراءة لنتائج القمة الخليجية مرتبطة بمدى إفادة الإدارة الأميركية الجديدة من الزخم العربي والخليجي الحاصل لصالح سياسة أميركية جريئة ومتوازنة ورؤيوية، هي أحوج ما تنشده المنطقة بعد التخلي الأميركي الطويل والمضر عنها. إن وعي إدارة بايدن بأهمية التفاهم والتكاتف الخليجي، وإدراكه الدور الإيراني المخرب، ضروري لتبني عليه في مفاوضاتها المتوقعة مع طهران، بغية ألا تتضارب نتائجها مع مصالح دول المنطقة، وهي في نهاية الأمر حليفة واشنطن.

ويتوقف ذلك أيضاً على تجنب الإدارة الجديدة الوقوع في خطيئة عدم الإفادة من إرث سياسة ترمب تجاه إيران بخاصة، وفهمه العميق لحقيقة أدوارها على الصعد كافة. فالبناء على هذا الإرث وتفعيله، وتشذيب بعض من جنوحه سيصب مباشرة في الصالح العربي والخليجي، كما الإقلاع عن النظر إلى المنطقة بعقلية «واشنطنية»، ومقاربة مشكلاتها وخصوصياتها وحقائقها عبر الإنصات لنخبها وقادتها من الحلفاء، وهي سمة الرئيس الجديد جو بايدن الفارقة عن كثيرين من حوله وفي إدارته.