أنطوان العويط

الأربعاء ١٥ تموز ٢٠٢٦ - 08:59

المصدر: صوت لبنان

ترامب – عون: محضرٌ افتراضيٌّ للِّقاء في البيت الأبيض

 

عقب مراسم الاستقبال الرسميّة والتقاط الصورة التذكاريّة، توجّه الرئيسان الأميركيّ واللبنانيّ إلى المكتب البيضاوي، حيث انضمّ إليهما عددٌ محدودٌ من كبار المسؤولين.

ساد القاعة ما يليق بثقل اللحظة من هيبةٍ وترقّب. فالقضايا المطروحة لم تكن عاديّة، واللّقاء لم يكن مجرّد محطّة بروتوكوليّة، بل كان اختباراً سياسيّاً دقيقاً في لحظةٍ إقليميّة تتقاطع فيها فرص التسوية مع مخاطر العودة إلى منطق التصعيد.
استهلّ الرئيس دونالد ترامب الحديث قائلاً: “السيّد الرئيس، أهلاً بكم في البيت الأبيض”.

الرئيس جوزاف عون: “السيّد الرئيس، أشكركم على دعوتكم الكريمة، وأغتنم هذه المناسبة لأجدّد لكم، ومن خلالكم، إلى الشعب الأميركيّ، أصدق التهاني بمرور مئتين وخمسين عاماً على استقلال الولايات المتّحدة الأميركيّة. لقد أصبحت أميركا رمزاً للحرّية والديمقراطيّة والإبداع، ورفعتم شعار “لنجعل أميركا عظيمة من جديد”، وهذا ما يؤكّد أنّ الأمم قادرة على استعادة أفضل ما فيها بالإرادة والقيادة”.

الرئيس ترامب: “شكراً على كلماتكم اللطيفة. لبنان بلد رائع. لديكم شعب موهوب جدّاً. اللبنانيون ناجحون في أميركا في مختلف الميادين. أراهم في كلّ مكان. وما زلت أؤمن بأنّ وطنكم قادر على استعادة مكانته. لقد قلتها سابقاً، وأكرّرها اليوم، أريد أن أرى لبنان عظيماً مرّة أخرى”.
الرئيس عون: “شكراً جزيلاً، السيّد الرئيس. لبنان وريثُ حضارةٍ عريقة، وصاحب تجربةٍ مميّزة في الحرّية والتعدديّة والتعليم والثقافة والانفتاح. وبعد الاستقلال، استطاع أن يصبح نموذجاً للازدهار في المنطقة. وقد سرّ اللبنانيين سماع رغبتكم في أن يعود لبنان عظيماً مرّة أخرى، وهو تعبير يحمل بالنسبة إلينا رسالة أمل وثقة نثمّنها كثيراً”.

الرئيس ترامب: “الماضي جميل، لكن لا أحد يعيش فيه. الناس يريدون دولة تملك وحدها قرارها، وتفرض سيادة القانون على كامل أراضيها. إذا نجحتم في بناء دولة قويّة، فسنكون معكم. سندعم الجيش، وسنجلب الاستثمار. الناس يريدون أن يستثمروا، لكنّهم يريدون أن يروا دولة تعمل. أنا أريد شريكاً قويّاً يعرف كيف يتحمّل مسؤوليّاته”.

الرئيس عون: “أشارككم الرأي، وأريد للبنان أن يستعيد عظمته من خلال دولته وسيادته ومؤسّساته واقتصاده. سأبذل كلّ ما في وسعي، مستنداً إلى الدستور وإرادة اللبنانيين، لإعادة بناء الدولة وترسيخ احتكارها وحدها لقرار الحرب والسلم، وأتطلّع إلى شراكة متينة مع الولايات المتّحدة تدعم هذه المسيرة”.
الرئيس ترامب: “أقول لكم أيضاً على المستوى الشخصيّ إنّ عائلتي أصبحت أقرب إلى لبنان. لديّ حفيد يحمل جذوراً لبنانيّة، وأتمنّى أن يكبر وهو يرى وطن أجداده فيجده بلداً آمناً ومزدهراً، لا ساحة أزمات”.
الرئيس عون: “أتمنّى أن يكبر حفيدكم، شأنه شأن كلّ طفلٍ لبنانيّ أو من أصلٍ لبنانيّ، وهو يرى لبنان وطناً آمناً ومستقرّاً، يُعرف بجامعاته ومستشفياته وثقافته وسياحته، لا بأزماته وبحروبه”.

الرئيس ترامب: “لقد نجحنا معكم في الوصول مع إسرائيل إلى اتّفاق إطار فتح نافذة أمل. إنّه بداية الطريق. وما يهمّني هو عدد الإنجازات التي تتحقّق بعدها. وأريد أن أكون صريحاً معكم. أنا أحبّ النتائج، وأعتقد أنّكم كذلك. أعرف أنّ الطريق ليس سهلاً، وأنّكم تواجهون تحدّيات داخليّة وإقليميّة معقّدة. الفرصة أمامكم الآن. لن تبقى إلى الأبد. القادة ينجحون عندما يتّخذون القرارات التي يخشاها الآخرون”.
الرئيس عون: “وأنا أؤمن، السيّد الرئيس، بأنّ التاريخ يمنح القادة فرصاً نادرة لا تتكرّر، وأعتقد أنّ لبنان يقف اليوم أمام واحدة منها. لقد دفع أثماناً باهظة بسبب الحروب والصراعات التي تجاوزت حدوده، وحان الوقت ليستعيد حقّه في الأمن والاستقرار. وسيُقاس نجاح تعاوننا بعدد العائلات العائدة إلى الجنوب، والشباب الذين يختارون البقاء، والمستثمرين الذين يستعيدون ثقتهم بلبنان”.

يصمت الرئيس ترامب للحظة، وينتقل بنبرة عمليّة قائلاً: “حسناً، كان حديثاً جيّداً. والآن لننتقل إلى العمل. لقد أنجزنا ما كان كثيرون يعتقدون أنّه مستحيل. أوقفنا الحرب، وأنجزنا اتّفاق الإطار. الآن أريد أن أرى ما سيأتي بعده. آليّات تنفيذ الانسحاب من المناطق التجريبيّة هي نقطة الانطلاق، ليبدأ معها اختبار الدولة اللبنانيّة، فيما يترقّب العالم ما إذا كانت قادرة على بسط سلطتها الكاملة على أراضيها”.

الرئيس عون: “نعم، سنفعل ذلك. لبنان يريد دولة واحدة تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، لكن نجاح هذا المسار يقتضي تنفيذاً متزامناً للالتزامات، ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة داخليّة”.
الرئيس ترامب: “أتفهّم ذلك جوزاف، لكنّ الوقت ليس مفتوحاً. إسرائيل تريد ضمانات، وأنا أريد أن أقدّم لها نتائج، لا وعوداً.”

الرئيس عون: “السيّد الرئيس، لا أحبّ أن أتحدّث بلغة الضحيّة، لكنّ الحقيقة أنّ لبنان هو المنكوب. من يفتقر إلى الضمانات هو أنا، أكثر من إسرائيل. أطلبها من خلالكم، وأحتاج قبل كلّ شيء إلى نتائج ملموسة. فلا يمكنني أن أطلب من اللبنانيين خوض هذا التحوّل الوطنيّ فيما لا تزال إسرائيل تحتلّ جزءاً من أرضنا، وتنتهك أجواءنا، وتواصل شنّ غاراتها وكأنّ شيئاً لم يتغيّر”.
الرئيس ترامب: “إذا رأيت تقدّماً حقيقيّاً من جانب لبنان، فسأستخدم ما لدينا من نفوذ لدفع هذا المسار إلى الأمام. لا أقدّم وعوداً قبل أوانها، لكن، عندما أرى نتائج على الأرض، سأكون مستعدّاً للقيام بما يلزم”.
الرئيس عون: “هذا عنصر أساسيّ. فلا يمكن أن يقتنع اللبنانيون بأنّ الدولة تستعيد سلطتها فيما تبقى أجزاء من أرضها محتلّة.”
الرئيس ترامب: “هناك أيضاً مسألة السلاح.”
الرئيس عون: “إنّها قضيّة سيادة لبنانيّة، قبل أن تكون مطلباً لأحد. لكنّ معالجتها تحتاج إلى أن يشعر اللبنانيون بأنّ الدولة عادت دولة”.
الرئيس ترامب: “هل لديكم خطة؟”

الرئيس عون: “نعم، لقد اتّخذت الدولة خيارها الواضح في هذا الاتجاه، ونعمل على ترجمته بخطوات مدروسة. لكنّ نجاح الخطة يحتاج إلى أربعة عناصر. أوّلاً، انسحابٌ إسرائيليّ يتزامن مع انتشار الجيش الوطنيّ مكانه. ثانياً، دعمٌ غير محدود للجيش اللبنانيّ. ثالثاً، إطلاق ورشة إعادة إعمار الجنوب حتّى يشعر الناس بأنّ السلام يغيّر حياتهم. ورابعاً، توافر ظروفٍ إقليميّة مؤاتية تنعكس إيجاباً على قضيّة السلاح خارج الدولة”.
الرئيس ترامب: “لقد وجّهت فريقي إلى البدء بالعمل على هذه المسارات، وسنتابعها معكم بصورةٍ مباشرة”.

الرئيس عون: “أشكركم، السيّد الرئيس. وأعتقد أنّ صدور موقفٍ أميركيٍّ رسميٍّ يدعم الوصول إلى انسحابٍ كامل، ولو بصورةٍ متدرّجة وضمن جدولٍ زمنيٍّ محدّدٍ وقصير، أن يُحدث فرقاً جوهريّاً في الداخل اللبنانيّ”.
الرئيس ترامب: “أفهم ما تقصد”.

الرئيس عون: “هناك بداية الانسحاب من المناطق النموذجيّة. في الوقت عينه، عندما يلمس اللبنانيون انسحاباً إسرائيليّاً أوسع وأسرع، ووقفاً للخروق، واحتراماً لما يتمّ الاتفاق عليه، تصبح الدولة أكثر قدرة على إقناع مختلف القوى بأنّ مرحلة المواجهة انتهت، وأنّ الوقت حان لحصر السلاح بيدها، بالتوازي مع تنفيذ هذه الالتزامات. فالمطلوب مسار متوازن ومتزامن، لا خطوات أحاديّة”.

الرئيس ترامب: “هذا طرحٌ معقول. إذا نفّذ لبنان ما عليه، وشرح لنا كيف سيحقّق ذلك، ليس في منطقة الحدود فحسب، بل على امتداد أرضكم، فستنفّذ إسرائيل ما عليها. هكذا تنجح الصفقات”.

الرئيس ترامب: “حسناً، فلنتحدّث الآن عن الاقتصاد. الشركات الأميركية تسأل عن الكهرباء، والمرافئ، والنفط والغاز، والقضاء، والشفافية. المستثمر لا يحبّ الغموض. يريد أن يعرف من يقرّر وكيف تُتخذ القرارات. إذا أنجزتم الإصلاحات، فسيتغيّر المشهد بسرعة”.

الرئيس عون: “ولهذا نعتبر الإصلاح جزءاً من استعادة الدولة، لا مجرّد شرط للحصول على المساعدات. فكلما استعادت الدولة ثقة مواطنيها، استعادت أيضاً ثقة المستثمرين. نحن لا نطلب صدقات، بل استثماراً في استقرارنا ودعم مشاريعنا البنيويّة ذات الأولويّة”.
الرئيس ترامب: “إذا نجح لبنان، فسيفتح ذلك الباب أمام استثمارات أميركيّة كبيرة مع الشركاء الإقليميين”.
الرئيس عون: “هذا بالضبط ما نتطلّع إليه”.
ثمّ ينتقل الحوار إلى البعد الإقليميّ.

الرئيس ترامب: “الشرق الأوسط يتغيّر بسرعة. هل يريد لبنان أن يكون جزءاً من هذا التحوّل، أم يريد أن يبقى ساحةً للصراعات؟”
الرئيس عون: “لبنان يريد أن يعود دولة طبيعيّة، لا صندوق بريد للرسائل الإقليميّة، ولا ساحة لتصفية الحسابات.”
الرئيس ترامب: “هذا يتطلّب قرارات صعبة. ماذا عن السلام؟”

الرئيس عون: ” لقد أعلنتُ سابقاً أنّ لبنان مستعدّ للانخراط الكامل في مسار السلام وإنهاء حالة العداء، شرط انسحابٍ إسرائيليّ كامل، واحترامٍ كامل لسيادة لبنان، ووقفٍ نهائيّ لكلّ الانتهاكات برّاً وبحراً وجوّاً. وعندما تصبح هذه الوقائع ثابتة، يحتاج اللبنانيون إلى وقتٍ لترسيخ الثقة، وعندها يصبح السلام أمراً ممكناً، بل واقعاً”.
الرئيس ترامب: “يمكن البناء على هذا. لكنّ الانتظار الطويل لم يعد مقبولًا ولا مفيداً، ولن يكون كذلك.”

الرئيس عون: “لن أجعله طويلاً أبداً. في الوقت عينه أودّ أن أكون واضحاً في هذه النقطة. إنّنا نقصد هنا إنهاء حالة الحرب بصورةٍ قاطعة وإرساء استقرارٍ دائم بين الدولتين، ولا أتحدّث عن التطبيع. أولويّتنا اليوم هي أن نطوي صفحة الحرب كلّياً، وأن نمنح اللبنانيين والإسرائيليين على حدّ سواء فرصة العيش بأمنٍ واستقرار”.

بعدها، نهض الرئيسان من مقعديْهما، وتبادلا مصافحةً طويلة عكست تفاهماً وإرادةً مشتركة لمواصلة المسار. وقال الرئيس ترامب: “جوزاف، أمامنا عمل كثير. لنرَ ما سيحدث. آمل أن ننجح. وإذا فعلنا، فسيكون ذلك رائعاً للبنان وللمنطقة”. فأجابه الرئيس عون: “أمنيتي أن نحوّل ما اتّفقنا عليه إلى خطواتٍ تعيد للبنان استقراره، وسيادته، وتمنح وطننا والمنطقة فرصةً جديدة للسلام”.
ابتسم الرئيس الأميركيّ قائلاً: ” حسناً… فلننجز الأمر”.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها