خالد حمادة

السبت ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٤ - 15:21

المصدر: المجلة

تساؤلات ودروس من الحدود الباكستانية- الإيرانية

أطلقت إيران خلال الأسبوع المنصرم وابلا غير مسبوق من الصواريخ على معسكرات تدريب لفصائل إسلامية بالقرب من إدلب في سوريا، وعلى موقع ادعت أن “الموساد” يستخدمه في محافظة أربيل العراق، وضد قواعد تدريب تابعة لـتنظيم “جيش العدل” في باكستان.

وفقا لطهران، فإن الهدف من هذه الهجمات المكثفة في العراق هو الانتقام من تنظيم “داعش” الذي نفذ الهجوم في كرمان في ذكرى اغتيال قاسم سليماني؛ وفي اربيل هو رد على اغتيال رضي موسوي في سوريا أحد قادة “الحرس الثوري” وصالح العاروري القيادي في حركة “حماس” في لبنان.

تبدو الضربات الإيرانية المفاجئة وغير المسبوقة على باكستان واربيل خارجة عن السياقات المعتادة لطهران وهي تطرح أكثر من تساؤل، فكيف يمكن قراءتها؟ وهل يمكن ربطها ببساطة بهجمات نفذت على أهداف إيرانية؟

على الرغم من الخصوصيات العميقة المتصلة بتعقيدات “الانفصاليين البلوش” الذين يسكنون المناطق الحدودية بين إيران وباكستان والتي لا يعرف عنها الكثير، فقد مثلت الهجمات المتبادلة الأخيرة بين الدولتين تصعيدا ملحوظا لعقود من الاعتداءات على امتداد إحدى المناطق الحدودية النائية في العالم. آخر الاعتداءات كان هجوم “جيش العدل” في ديسمبر/كانون الأول 2023 على مركز للشرطة الإيرانية، وقبل ذلك بعام في “سارافان” قتل مسلحون أربعة من أفراد “الحرس الثوري الإيراني” ثم فروا عائدين إلى باكستان، ولم تشن القوات المسلحة الإيرانية في حينه أية ضربات على باكستان ردا على ذلك. فما الذي تغير؟

تقدير موقف
تشير تقارير نشرتها شبكة “اي بي سي نيوز -ABC News” وغيرها إلى تلقي جماعة “جند الله” (نواة “جيش العدل”) المناوئة لإيران مساعدات أميركية منذ عام 2007. وبالتالي، فإن قرار طهران بالهجوم على “جيش العدل” داخل الأراضي الباكستانية يصبح له مبرراته حيال واشنطن، ويصبح معه السؤال المطروح حيال الأسباب التي جعلت باكستان تسمح لـ”جيش العدل” بالعمل داخل إقليم بلوشستان، وهل كان ذلك استمرارا لخدمات سابقة للولايات المتحدة؟

وإذا كان الأمر كذلك، فقد تدفع باكستان ثمنا لذلك قد يهدد العلاقات التجارية بين البلدين التي تتجاوز ملياري دولار سنويا. والسؤال الذي لا يقل أهمية هو: لماذا سمحت إيران للقوميين البلوش باستخدام أراضيها كملاذ آمن للعمل خارج بلوشستان الإيرانية والقيام بعمليات ضد باكستان؟
وبصرف النظر عن كل العوامل التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، فإن للمؤسسة العسكرية الباكستانية اعتبارات لا يمكن تجاوزها. يقود هذه المؤسسة دائما جنرالات من أصحاب الخبرات الميدانية الذين يعرفون تعقيدات حدودهم، ولكنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون الوقوف موقف المتفرج عند تعرض الأراضي الباكستانية لأي اعتداء.

لقد كان الرد الباكستاني متوقعا وأتى سريعا، وفي وقت مبكر من يوم 18 يناير/كانون الثاني عبر هجوم جوي على القوميين البلوش الذين يستخدمون إيران كقاعدة بصرف النظر عما إذا كان لدى أي من الدولتين الرغبة أو القدرة على التصعيد إلى صراع مباشر. كذلك فليس من الواضح ما إذا كان رئيس الوزراء الباكستاني المؤقت، أنور الحق كاكار، الذي كان يشارك في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هو الذي اتخذ قرار الرد أم إن الجيش هو من اتخذ القرار نيابة عنه.
وفي المحصلة كيف يمكن تفسير الهجمات المتهورة التي شنها الحرس الثوري الإسلامي شرقا على باكستان وفي كردستان العراق في اليوم الذي سبقه؟ وما الذي قد يدفع إيران إلى المجازفة بشن هجوم صاروخي في حين تتمركز القوات الأميركية لمواجهة أية تهديدات محتملة عبر الخليج وبحر عمان لمنع اتساع نطاق الصراع بين إسرائيل و”حماس”؟ ألم يعِد الحرس الثوري الإيراني قبل أيام فقط بالانتقام لمقتل أكثر من تسعين شخصا في انفجار 3 يناير/كانون الثاني في كرمان، خلال ذكرى وفاة قاسم سليماني، حيث كان أبناء سليماني وكبار المسؤولين في عداد المفترض حضورهم المناسبة؟ ولماذا أعطيت الأولوية لقصف المناطق المتاخمة لكردستان وبلوشستان في إيران رغم أن الأعضاء الطاجيك في ولاية خراسان التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية قد أعلنوا مسؤوليتهم عن الانفجار، وليس أي جماعة مرتبطة بالأكراد أو البلوش أو إسرائيل أو الولايات المتحدة؟

دلالات ودروس الهجوم الإيراني
لقد سمح هذا الهجوم لإيران بإظهار قوتها ليس فقط في مواجهة التهديدات الخارجية، ولكن أيضا أمام ساحتها الداخلية. كذلك فإن باكستان، بدورها، قد شنت ضرباتها الخاصة ضد معاقل “جيش تحرير بلوشستان”، و”جبهة تحرير بلوشستان” داخل إيران. ومع ذلك، فإن اختيار إسلام آباد للأهداف- التي تجنبت الجيش الإيراني- كان بمثابة رد فعل محسوب ومتناسب مع الضربات الإيرانية على “جيش العدل”، الذي تجنب بدوره الجيش الباكستاني. وهذا ما يدل على عدم الرغبة في التصعيد، ولكنه يبعث في الوقت نفسه برسالة رادعة في كثير من الاتجاهات.

يعكس الهجوم الإيراني قلقا متزايدا داخل الجمهورية الإسلامية حيال تآكل قدرتها على الردع على مدى سنوات من الفشل أو عدم القدرة على الرد على مجموعة متنوعة من الاعتداءات على مصالحها ومواقع نفوذها سواء بالقصف الإسرائيلي المتمادي على مواقع “الحرس الثوري” في سوريا أو من خلال الاغتيالات التي طالت عددا من قادته أو علمائه في المشروع النووي كان آخرهم محسن فخري زادة الملقب بـ “أبي المشروع النووي الإيراني”. وقد يكون في ما أضافه المشهد الإقليمي من ضغوط على إيران بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول والذي دفعها الى التنصل من أي علاقة لها بما يجري في غزة، ما يكفي لدفعها للقيام بإجراء ما خارج عن المألوف عبر الهجوم على أهداف مزعومة لجيش العدل في باكستان.
إنه لمن الأهمية بمكان إدراك الرسائل الكامنة وراء الضربات الإيرانية في باكستان، بمعنى عدم النظر إلى تصرفات طهران الخاطئة على أنها مجرد انتقام من جيش العدل يهدف إلى إثارة رد فعل من باكستان؛ فبدلا من ذلك، يجب أن يُنظر إلى الضربات على أنها مجاهرة بإظهار البراعة الصاروخية الإيرانية لمواجهة أي عدوان خارج الحدود. ومن جهة أخرى توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والعالم العربي حول قدرتها في تشكيل أحد مرتكزات الاستقرار للأمن الإقليمي.

 

لقد أدركت طهران أن كلفة الاستمرار في عدم الرد ستكون باهظة للغاية في هذا السياق الإقليمي المتصاعد، وبالمقابل فإن أقصى ما يمكن أن تفعله باكستان كرد على ذلك سيكون قابلا للاستيعاب، وبالتالي فإن الرد سيسمح لطهران بفرصة لاستعراض قوتها مع تجنب الأعمال الانتقامية الأميركية.
تجتهد طهران للاستثمار في الحرب على غزة بما يكسبها المزيد من القدرة على المناورة؛ فقد دفعت بـ”حزب الله” لمناوشة إسرائيل على حدودها الشمالية، ودفعت بالحوثيين لمهاجمة خطوط الملاحة في البحر الأحمر والاشتباك بشكل مباشر مع القوات الأميركية. وعلى هذه الخلفية، تقوم برفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات مقلقة مع تسريع طموحاتها في مجال الأسلحة البالستية. ولكن على الرغم من كل تلك الاستفزازات فإن كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل لم ترد أبدا بشكل مباشر عبر أي عملية نوعية داخل الأراضي الإيرانية؛ فهل أرادت طهران من خلال هجماتها الصاروخية الأخيرة في سوريا والعراق وباكستان إثارة مواجهات جديدة وإعلان الاستعداد لاشتباكات على حدودها لمزيد من الرغبة في توظيف هذه الفوضى الإقليمية، وفي الوقت عينه توجيه رسالة تحذيرية إلى الأكراد والبلوش الإيرانيين بأن النظام مستعد لكل أنواع المواجهات حتى الإثنية منها العابرة للحدود.

لا شك أن النموذج الجديد من الهجمات الصاروخية لن يشكل حلا للمشاكل التي تعاني منها إيران في الداخل والخارج سواء الأمنية أو السياسية، فبعد تلك الهجمات سقط أمنيون إيرانيون على الحدود الباكستانية، كما أن الجماعات الإرهابية المتشرذمة على طرفي الحدود قادرة بشكل دائم على إثارة مواجهات جديدة، فهل ستتصاعد الضربات المتبادلة مجددا؟ وكيف تتناسب بؤرة التوتر هذه مع الصراعات المستمرة التي يشارك فيها وكلاء إيران في اليمن وغزة وسوريا ولبنان؟

لا شك أن خيارات المجتمع الدولي محدودة حيال هذه التوترات، لا سيما أن نفوذ الولايات المتحدة لدى إسلام آباد قد تضاءل بسبب القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة بإلابقاء على مسافة من باكستان ومن الجيش الباكستاني، كما أن واشنطن لم تبد سابقا قدرا كبيرا من القلق حيال انتشار الهجمات عبر الحدود الأفغانية مع باكستان.

إن افتقار طهران إلى التنوع في استخدام الوسائل للتعامل مع مشاكلها الأمنية والسياسية في المنطقة سيؤدي إلى تكرار إطلاق الصواريخ في كل الاتجاهات، وهذا لن يؤدي إلى توتر سياسي بين إيران وباكستان والعراق فحسب، بل يشكل أيضا مؤشرا آخر على التشابه بين أنشطة إيران وأنشطة وكلائها. بالإضافة إلى أن مسارعة باكستان للرد بما لم تتوقعه طهران وتجاوز الخطوط التي أحجم الجميع عن تجاوزها سيشكل نموذجا تتوقف طهران عنده مليا خوفا من تحول استعراضها الدائم لقدراتها العسكرية في المنطقة، إلى صراع أعمق مع جارتها التاريخية وإلى مثال يحتذيه الجميع في الإقليم.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها