المصدر: صوت لبنان
جنوب أفريقيا والقنبلة الذرية… قصة التخلي الطوعي الوحيد عن السلاح النووي
في عالم يتغذى على سباق التسلح والردع النووي، حيث تقاس القوة أحيانا بعدد الرؤوس الحربية في المخازن، برزت حالة وحيدة كسرت القاعدة، جنوب أفريقيا، الدولة الوحيدة التي طّرت ترسانة نووية كاملة، ثم اختارت، طواعية، أن تفككها وتعلن نهاية برنامجها العسكري النووي. خطوة نادرة جرت في ظل تحولات سياسية عميقة، وما زالت حتى اليوم تثير الجدل بين خبراء نزع السلاح والاستراتيجيات الدولية.
عزلة دولية وخوف استراتيجي
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وجدت بريتوريا نفسها في عزلة دولية متزايدة بسبب نظامها للفصل العنصري واحتلال ناميبيا. إقليميا، شعرت بريتوريا بتهديد مباشر من النفوذ السوفيتي وكوبا، اللذين دعما حركات ثورية مسلحة في أنغولا وموزمبيق. كما خشي قادة جنوب أفريقيا من هجوم غير مباشر عبر حلفاء موسكو في القارة السمراء، بينما كانت الجسور مع الغرب تتآكل تحت ضغط المقاطعات والعقوبات بسبب نظام الفصل العنصري.
في هذا المناخ، شرع النظام في بناء برنامج نووي سري، مستفيدا من مخزون اليورانيوم الضخم الذي تحتويه أراضي جنوب أفريقيا، والخبرة العلمية التي طورها في برامج مدنية للطاقة النووية بالتعاون مع دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا.
من المفاعل إلى القنبلة
بدأ المشروع النووي جنوبي القارة في ستينيات القرن الماضي بغرض توليد الطاقة، لكن أواخر السبعينيات شهدت تحوله إلى مسار عسكري، تحت إشراف الجيش وشركة الطاقة الذرية الوطنية. بين عامي 1979 و1989، أُنتجت ست قنابل نووية من اليورانيوم عالي التخصيب، وكانت قنبلة سابعة قيد التصنيع. لم تجر تجارب تفجير لهذه الأسلحة بشكل علني، لكنها اعتبرت جاهزة للاستخدام عند الحاجة، والموقع الرئيس للإنتاج كان في بيليندابا قرب بريتوريا.
لم يكن هدف جنوب أفريقيا شن حرب نووية، بل امتلاك ورقة ردع قوية في حال تهديد مباشر من قوة إقليمية أو دولية.
تعاون سري مع إسرائيل
واحدة من أكثر الجوانب إثارة للجدل في هذا الملف كانت علاقات التعاون النووي السري بين جنوب أفريقيا وإسرائيل، والتي كشفت عنها لاحقا وثائق وشهادات استخباراتية. فخلال السبعينيات، وجد البلدان نفسيهما في عزلة دولية متزايدة، إسرائيل بسبب الصراع العربي الإسرائيلي، وجنوب أفريقيا بسبب الفصل العنصري. هذا القاسم المشترك دفعهما إلى شراكة استراتيجية شملت مجالات عسكرية وتقنية متقدمة، بينها الملف النووي.
التقارير الغربية، بما فيها وثائق لوكالة الاستخبارات الأمريكية، تشير إلى أن إسرائيل زودت جنوب أفريقيا بخبرات تقنية، وربما مكونات أساسية لتطوير الرؤوس الحربية، مقابل الحصول على اليورانيوم الجنوب أفريقي عالي الجودة لاستخدامه في برامجها العسكرية. وتذهب بعض المصادر إلى أن “حادثة فيلا” عام 1979، وهي وميض مزدوج رصد بواسطة قمر صناعي أمريكي فوق المحيط الهندي، كانت اختبارًا نوويا مشتركا بين إسرائيل وجنوب أفريقيا. ورغم عدم وجود اعتراف رسمي من الطرفين، فإن العديد من المحللين يرون أن المؤشرات التقنية والسياسية تدعم هذا الاحتمال.
هذا التعاون وفر لجنوب أفريقيا مسارا أسرع للوصول إلى قدرة نووية عسكرية، بينما استفادت إسرائيل من موارد ومواقع معزولة بعيدة عن الرقابة الدولية.
تحوّل سياسي… وإغلاق الملف النووي
مع نهاية الثمانينيات، تغيّر المشهد العالمي. انهار الاتحاد السوفيتي، ووقعت اتفاقات سلام إقليمية أنهت بعض النزاعات المسلحة، والأهم كان اقتراب نهاية نظام الفصل العنصري. عام 1989، وصل فريدريك دي كليرك إلى الحكم، وبدأ حوارا مع حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة نيلسون مانديلا. في خضم هذه التحولات، اتخذ قرارا تاريخيا وسريا، ألا وهو تفكيك الترسانة النووية الجنوب أفريقية قبل انتقال السلطة.
بين 1989 و1991، جرى تفكيك الرؤوس الحربية، وإعادة تدوير اليورانيوم لأغراض مدنية، وتحويل أو إزالة البنى التحتية العسكرية المرتبطة بالبرنامج.
الاعتراف والانضمام إلى معاهدة الحظر
عام 1991، انضمت جنوب أفريقيا إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لتصبح أول دولة في التاريخ تفعل ذلك بعد أن امتلكت بالفعل ترسانة نووية.
وفي مارس 1993، أعلن دي كليرك رسميا أمام البرلمان أن بلاده كانت قد صنعت أسلحة نووية ثم دمرتها بالكامل. لاحقا، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 1994، بعد عمليات تفتيش شاملة، أن جنوب أفريقيا أزالت كل المواد والمنشآت ذات الطابع العسكري.
ثناء… وتحفظات
حظيت الخطوة بإشادة واسعة باعتبارها نموذجا أخلاقيا فريدا، ساهم في إعادة إدماج جنوب أفريقيا في المجتمع الدولي، ومنحها موقعا قياديا في ملف نزع السلاح بالقارة الأفريقية. لكن بعض المحللين يرون أن القرار كان مدفوعا أساسا برغبة النظام الأبيض في منع الحكومة ذات أغلبية سوداء المنتخبة المقبلة من امتلاك السلاح النووي، أكثر من كونه التزاما مبدئيا بالسلام. كما ينتقد آخرون غياب نقاش وطني علني حول مسألة استراتيجية بهذا الحجم.
حالة استثنائية في عالم السلاح النووي
خصوصية التجربة الجنوب أفريقية أنها الوحيدة التي امتلكت سلاحا نوويا بشكل كامل ثم تخلت عنه طوعًا. دول أخرى تخلت عن برامجها في ظروف مختلفة:
• أوكرانيا، كازاخستان، وبيلاروسيا ورثت ترسانة الاتحاد السوفيتي ونقلتها إلى روسيا بعد 1991.
• ليبيا أوقفت برنامجها النووي تحت ضغط دولي عام 2003.
• العراق دُمّر برنامجه قبل اكتماله.
• إيران خضعت لقيود ومراقبة دولية ولم تنتج سلاحا نوويا رسميا، الى الان.
الدروس المستفادة
تظهر تجربة جنوب أفريقيا أن التخلي عن الأسلحة النووية ممكن، لكن غالبا في ظروف نادرة، تغير جذري في النظام السياسي، تحولات كبرى في البيئة الدولية، ورغبة في إنهاء العزلة الدبلوماسية. ومع أن الحالة بقيت استثناء، فإنها تظل مثالا يستشهد به في النقاشات حول كوريا الشمالية وإيران والهند وباكستان.
بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا تزال جنوب أفريقيا الدولة الوحيدة التي اختارت أن تكسر حلقة سباق التسلح النووي بإرادتها. وقد أضافت شراكتها السرية مع إسرائيل بعدا معقدا إلى القصة، يكشف كيف تتقاطع المصالح السياسية والعسكرية في ملفات السلاح النووي. قد لا يكون هذا المثال قابلا للتكرار بسهولة، لكنه يطرح سؤالا جوهريا على عالمنا المضطرب، هل تكمن القوة الحقيقية في امتلاك السلاح… أم في الشجاعة للتخلي عنه؟
الخط الزمني: البرنامج النووي لجنوب أفريقيا
1960 – 1965
• إطلاق برنامج نووي مدني بالتعاون مع الولايات المتحدة وفرنسا، ضمن إطار الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
• بناء مفاعل SAFARI-1 للأبحاث النووية.
أواخر الستينيات – أوائل السبعينيات
• توسع في البنية التحتية النووية، واستغلال احتياطيات اليورانيوم المحلية.
• بدء الدراسات الأولية حول إمكانية الاستخدام العسكري للتكنولوجيا النووية.
1974 – 1976
• توتر إقليمي مع تصاعد الحركات الثورية المدعومة من الاتحاد السوفيتي وكوبا في أنغولا وموزمبيق.
• تعزيز التعاون السري مع إسرائيل في مجالات عسكرية وتقنية، بما فيها الأبحاث النووية.
1977
• مجلس الأمن يصدر القرار 418 بفرض حظر أسلحة على جنوب أفريقيا بسبب الفصل العنصري.
• بدء تطوير منشآت لتخصيب اليورانيوم عالي النقاوة.
1979
• حادثة “فيلا” فوق المحيط الهندي: قمر صناعي أمريكي يرصد وميضا مزدوجا، يشتبه أنه اختبار نووي مشترك بين إسرائيل وجنوب أفريقيا.
• اكتمال أول قنبلة نووية من نوع اليورانيوم عالي التخصيب.
1980 – 1989
• إنتاج ما مجموعه 6 قنابل نووية، مع بدء تصنيع قنبلة سابعة.
• استمرار التعاون التقني مع إسرائيل في مجالات الصواريخ وأنظمة الإطلاق المحتملة.
1989
• فريدريك دي كليرك يتولى الرئاسة، ويبدأ خطوات إصلاح سياسي والتفاوض مع حزب المؤتمر الوطني الأفريقي.
• اتخاذ قرار سري بتفكيك الترسانة النووية قبل انتقال السلطة.
1989 – 1991
• تفكيك الرؤوس الحربية بالكامل.
• إعادة تدوير اليورانيوم للأغراض المدنية.
• إزالة أو تحويل البنية التحتية العسكرية النووية.
1991
• انضمام جنوب أفريقيا إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (TNP)، كأول دولة نووية سابقة تقوم بذلك.
مارس 1993
• إعلان دي كليرك أمام البرلمان عن امتلاك البلاد لبرنامج نووي عسكري سابق وتدميره بالكامل.
1994
• الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد عبر عمليات تفتيش شاملة أن جنوب أفريقيا أزالت كل المواد النووية العسكرية.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها