سوسن مهنا

الخميس ٥ أيلول ٢٠٢٤ - 14:37

المصدر: اندبندنت عربية

حروب “ح*ز*ب الله”… تهديد داخلي ووكالة خارجية

منذ إعلان الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله عن حرب المساندة أو المشاغلة التي أطلقها من الجنوب اللبناني، على خلفية اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، انشغل الداخل اللبناني في مناقشة ذلك الموقف، وكيف لـ”رئيس حزب” لا يمثل كل اللبنانيين أن يحدد مصير بلد بأكمله وشعبه، مما لا يصح في أي دولة سوية تعتمد النظام الديمقراطي ومن دون العودة بأي شكل إلى الدولة والحكومة اللبنانية في قرار الحرب والسلم.

يأخذ كثيرون على نصرالله أنه لم يكلف نفسه حتى عناء مشاورة أو إعلام بقية أطياف المجتمع اللبناني بقرار خوض الحرب، ناهيك عن الدولة اللبنانية التي تظهر دائماً وكأنها “المخدوعة” وآخر من يعلم، وما دام أن قرارات مصيرية تتعلق بالحرب والسلم يجب أن تكون بيد الدولة، وليس حزباً سياسياً أو زعيماً، فكيف لنصرالله أن يتحدث باسم لبنان أو يتخذ مواقف قد تدخل البلاد في حرب أكبر، لا قدرة لها على تحمل تبعاتها.

وفي حين يرى بعضهم أنه يتجاهل التعددية اللبنانية ويفرض رؤية واحدة على الجميع، يرى المؤيدون لـ”حزب الله” أنه قام ويقوم بدور رئيس في الدفاع عن لبنان ضد الاعتداءات الإسرائيلية وأنه نجح في تحقيق توازن قوى يردع إسرائيل عن شن مزيد من الحروب، لكن غالبية المعارضين يعتبرون أن الحزب إياه أدخل البلد في مغامرات عسكرية من دون حساب للعواقب على لبنان وشعبه، ومنذ أن تدخل في الحرب السورية وغيرها من الصراعات في الإقليم، ساهم في تدمير البنية التحتية وزيادة معاناة اللبنانيين، وأن تدخلاته لا تعدو كونها أكثر من مغامرات سياسية وعسكرية تصب في مصلحة المحور الإيراني، وليس المصلحة اللبنانية.

حرب تموز وعملية “الوعد الصادق”

يقول نصرالله في أحد خطاباته خلال حرب يوليو (تموز) 2006 “نحن مغامرون، لكننا مغامرون من عام 1982 ولم نجلب لبلدنا سوى النصر والتحرير، هذه هي مغامرتنا”، وهنا المغامرة التي تكلم عنها حينها هي عملية “الوعد الصادق”، التي شنت معها إسرائيل حرباً ضد لبنان على إثر عملية أسر جنديين من جيشها في الـ12 من يوليو 2006 في الجنوب، واستهدفت خلالها تل أبيب ما أسمته “بنك الأهداف” وعددها 420 هدفاً في ذلك الوقت، وغالبيتها كانت مدنية ذات صلة بالبنى التحتية اللبنانية.

وتكبد لبنان خلال هذه الحرب التي استمرت 34 يوماً خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، عدا عن نزوح أكثر من نصف مليون لبناني هرباً من ويلات القصف الإسرائيلي، وقتل 1200 لبناني ووصل عدد الجرحى إلى 4400. وبلغت الخسائر المادية بحسب التقارير نحو 2071 مليون دولار توزعت بين بنى تحتية ومؤسسات تجارية وصناعية ومنشآت عسكرية ومبانٍ، عدا عن الجسور التي دمر منها 78 جسراً. أما في إسرائيل التي قصفها الحزب بخمسة آلاف صاروخ، فسجل عدد القتلى فيها 104 عسكريين و40 مدنياً.

لكن نصرالله وخلال تلك الحرب أطل في إحدى المقابلات التلفزيونة وقال “قيادة الحزب لم تتوقع ولو واحداً في المئة أن تؤدي العملية إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم لأنه وبتاريخ الحروب هذا لم يحصل، لو علمنا أن عملية الأسر ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعاً”.

وتبعاً لذلك يرى كثير من اللبنانيين أن حصر مصير البلاد في يد شخصية واحدة غير مخولة بالأساس أو منوط بها القيام بهذا الدور، بغض النظر عن مدى تأثيرها السياسي، يمثل تعدياً على سيادة الدولة ومؤسساتها وعلى إرادة الشعب بكل طوائفه بصورة عامة، ويعتبرون أن هذه الحروب تخدم مصالح أجنبية وتسهم في تدمير نسيج المجتمع وزعزعة استقراره.

“اللبناني إرهابي”

وترى وجهة نظر معارضة لحروب الحزب أن تدخله في نزاعات خارج حدود لبنان، مثل الحرب في سوريا والعراق واليمن، شكل انتهاكاً لسيادة الدولة اللبنانية وأن اتخاذه قرارات مصيرية من دون استشارة أو موافقة الحكومة أو الشعب، كان له تأثير سيئ وخطير، وأدخل لبنان في عزلة عربية ودولية إلى حد ما، وبات اللبنانيون في بعض مطارات العالم يعاملون وكأنهم إرهابيون، كما أن تدخلاته في حروب الغير لم تكُن لمصلحة اللبنانيين في شيء بل أثبتت ولاءه لإيران أكثر من ولائه للبنان.

علانية، يقول سياسيون في لبنان، نواب ووزراء ورؤساء أحزاب، إن “الحزب ينفذ أجندة إيرانية إقليمية، مما يجعله أداة لخدمة مصالح دولة أجنبية على حساب المصلحة الوطنية”، ويعتبرون أن تدخله في سوريا والعراق أسهم في تأجيج الصراعات والتوترات الطائفية في المنطقة، وعزز لدى فئة كبيرة من معارضي سياسات الحزب المخاوف، وأن السياسات زادت من حدة الانقسامات داخل المجتمع اللبناني وعرضت البلد لخطر الفوضى، عدا عن أن تورط “حزب الله” في حروب المنطقة أدى إلى تأثيرات سلبية في الاقتصاد اللبناني وفي العلاقات الدولية للبنان وجلب للبنان عزلة دولية، فكثرت العقوبات وتراجع الاستثمارات، كما يعتبرون أمنياً أن مغامرات الحزب لم تحمي لبنان بل رفعت من منسوب أخطار التدخلات الأجنبية في لبنان وعمقت من الأزمات الداخلية.

هل دور “حزب الله” ضرورة استراتيجية؟

لكن في المقابل تنظر فئة كبيرة من مؤيدي “حزب الله” إلى حروبه في المنطقة على أنها “جزء لا يتجزأ من دوره المقاوم والمدافع عن الشيعة والمظلومين” وأن الحزب “يقوم بدور في حماية الطائفة”، وأنها ضرورة استراتيجية للحفاظ على قوة الحزب وحماية مصالحه”.

ويفند مصدر سياسي قريب من “الحزب” دوره في تلك الحروب من منظور ديني وسياسي وأمني، قائلاً إن “تدخلاته العسكرية في سوريا والعراق وغيرها تُعدّ امتداداً لنهج المقاومة ضد إسرائيل، كما أن هذه الحروب تهدف إلى حماية محور المقاومة والحفاظ على قدرات الحزب”، من هنا يشدد المصدر عينه على أن هذه الحروب “ضرورية لاستمرار وجود الحزب ولضمان أمن لبنان، وجاءت حينها في إطار الدفاع عن المقدسات التي كانت تحت تهديد تنظيمات مثل ’داعش‘”.

“دور الحزب يأتي كجزء من تحالف إقليمي أكبر تقوده إيران، في إطار الصراع ضد الهيمنة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة”، يضيف المصدر المقرب من الحزب، معتبراً أن خوض هذه الحروب “هي تضحية واجبة للدفاع عن العقيدة والمجتمع والقيم والمبادئ”.

بين البوسنة وسوريا

شارك “الحزب” في حروب كثيرة، بدءاً بحرب البوسنة، حيث أرسل مقاتليه لمساعدة القوات الإيرانية في تدريب المسلمين هناك، وكان من بينهم علي فياض، الملقب بـ”علاء البوسنة” وهو من نخبة القادة في “الحزب” الذي قتل في ما بعد في الحرب السورية في فبراير (شباط) 2016، ومن ثم شارك “حزب الله” في الحرب العراقية إبان الغزو الأميركي عام 2003، فدرب الميليشيات الشيعية التي كان لها بدور في الحرب السورية أيضاً بعد ذلك، إذ قاتلت إلى جانب “الحزب” و”الحرس الثوري” الإيراني، وكان التدخل الأكبر في الحرب السورية الذي جاء بعدما التقى نصرالله، المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران في أواخر عام 2011 لاتخاذ قرار التدخل.

ويشير نائب قائد “الحرس الثوري” العميد حسين همداني الذي قتل قرب حلب في أكتوبر 2015 في مذكراته إلى أنه خلال ربيع عام 2012، طلب منه خامنئي التشاور مع نصرالله الذي كان مسؤولاً عن سياسة “المحور المقاوم” في سوريا، وفي مايو (أيار) 2013 أعلن أن الحزب أرسل نحو 1700 مقاتل لدعم قوات النظام السوري في منطقة القصير.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها