المصدر: صوت لبنان
حين تنهار الأسطورة أمام الزمن من فنزويلا إلى إيران ولبنان… ومأزق الخطاب الذي لا يرى مجتمعه
لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثاً سياسياً عادياً، ولا مجرد تطور دراماتيكي في صراع دولي قديم. ما جعل الخبر يتردد بقوة في الإعلام العربي هو ما كشفه أكثر مما فعله: هشاشة أنظمة بنت شرعيتها على خطاب الصمود والمواجهة، لكنها أهملت تآكل الداخل حتى لحظة الانكشاف.
فنزويلا لم تصمت على خطف رئيسها بسبب قوة الولايات المتحدة فقط، بل لأن فنزويلا ضعيفة ومنقسمة من الداخل. دولةٌ انهارت مؤسساتها بسرعة لافتة، وانتقلت السلطة فيها شكلياً، فيما السيادة الفعلية تبخّرت خلال ساعات. هنا، لا ينحصر السؤال ب: هل ما جرى عدوان خارجي؟ بل: لماذا كان ممكناً بهذه السرعة؟
يفصل هذا السؤال بين خطابين يتواجهان اليوم في قراءة الحدث، ويتجاوزان فنزويلا إلى إيران ومحور حلفائها، وصولاً إلى لبنان وحزب الله.
الخطاب الأول، النقدي، يرى في ما جرى لحظة كاشفة: الأنظمة التي تراكم الأزمات الداخلية، وتؤجل الإصلاح، وتراهن على الوقت، تكتشف في النهاية أن الزمن لا يعمل لصالحها. الزمن، في هذا الفهم، ليس حيادياً. كل تأجيل يراكم كلفة، وكل خطاب لا يترجم إلى حياة كريمة يفقد معناه تدريجياً.
أما الخطاب المقابل، الأيديولوجي، فيقرأ الحدث بوصفه اعتداءً إمبريالياً صرفاً حصرياً. لا مكان هنا للأسئلة الداخلية. فنزويلا ضحية، وينتهي النقاش. هذا الخطاب يمنح أتباعه وضوحاً أخلاقياً مريحاً: هناك عدو ثابت، وهناك صمود، وكل ما يحدث يُفسَّر من هذه الزاوية وحدها.
لكن المشكلة لا تكمن في توصيف العدو، بل في تغييب المجتمع.
المسألة لا تتعلق بالموقف من الولايات المتحدة أو ترامب، صحيح ان قضية مادورو، تكشف عن فجوة متزايدة بين الخطاب الأخلاقي الغربي وآليات تطبيقه الفعلية، وكسراً في قواعد اللعبة الدولية، وتكشف عن تحوّل عميق في إدارة القوة من قوة القانون الى قانون القوة. لكن الأمر يتعلق ايضا بفهم العلاقة بين الدولة ومجتمعها. ففي الخطاب النقدي، المجتمع هو معيار الشرعية. حين ينسحب الناس معنوياً من الدولة، لا تنفع الشعارات، ولا تحمي الأساطير. الاحتجاجات في إيران، لا تُقرأ كمؤامرة، بل كعلامة فقدان ثقة عميق، حتى لو كانت بلا قيادة أو برنامج واضح.
فالخطاب الأيديولوجي الممانع لا يتعامل مع المجتمع إلا بوصفه “بيئة صمود”. بيئة تُعبّأ، لكنها لا تُسأل. أي تعبير خارج السردية يُعد انحرافاً أو خيانة. هكذا تتحول الدولة من عقد اجتماعي إلى جهاز تعبئة، ويتحوّل المواطن من شريك إلى مخزون.
وهنا يظهر عامل الزمن .
في الخطاب الأيديولوجي، الزمن حليف. الصمود الطويل دليل صوابية سياسية والمعاناة تتحوّل إلى فضيلة. يؤجل كل شيء الى وقت لاحق. هذا منطق أسطوري بامتياز، يجمّد التناقض بدل حلّه، ويُخرج الناس من زمنهم المعيشي إلى زمن رمزي لا يُحاسَب.
لكن المجتمعات لا تعيش في الرموز وحدها. الناس يعيشون في زمن العمل، والخبز، والكرامة يومياً. وحين يتسع الفارق بين الزمن الرمزي الذي تعد به السلطة، والزمن الواقعي الذي يعيشه الناس، تبدأ الشرعية بالتآكل، حتى لو استمرت قوتها.
من هنا، لا تُقلق فنزويلا إيران لأنها نموذج قابل للاستنساخ، بل لأنها مرآة تحذيرية: الأنظمة التي تكتفي بخطاب المواجهة، وتُهمل إعادة بناء علاقتها بمجتمعها، قد تسقط فجأة، لا تدريجياً.
وإذا كان النظام الإيراني يواجه اليوم شرخاً متزايداً مع مجتمعه، فإن لبنان يعيش هذا الشرخ منذ سنوات، لكن بلا دولة قادرة حتى على ضبطه. وحين يُطرح السؤال عن حزب الله بعد غياب نصرالله، لا يُطرح فقط من زاوية التنظيم أو القيادة، بل من زاوية المعنى: أي خطاب يمكن أن يستمر في بيئة أنهكها الانهيار؟
لبنان ليس فنزويلا، ولن يكون. لكنه ساحة ارتداد دائمة لصراعات أكبر، وفي الوقت نفسه مختبراً مبكراً لانهيار الشرعية حين تنفصل السياسة عن المجتمع.
في النهاية، لا يقول هذا التحليل إن القوة العسكرية فقدت قيمتها، ولا إن الصراعات الإقليمية وهم. لكنه يقول شيئًا أكثر بساطة وأكثر خطورة: الأساطير لا تطعم، ولا تحمي وحدها، ولا تبني دولة. الشرعية لا تُستورد من الخارج، ولا تُفرض بالسرديات، بل تُبنى مع المجتمع أو لا تُبنى.
لبنان اليوم يقف عند هذا المفترق: إما إعادة طرح السؤال المؤلم عن الدولة ومعناها، أو الاستمرار في إدارة الانهيار بخطاب لم يعد يقنع حتى من يردده.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها