محمد موسى

الثلاثاء ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦ - 10:16

المصدر: صوت لبنان

زمن ترامب: تكتلات دولية آيله للسقوط

في لحظةٍ تاريخية يبدو فيها العالم خارج الحسابات، تقوده شخصنة فجة للسلطة ومنطق صفقة لا منطق دولة، يمكن قراءة قرارات دونالد ترامب التصعيدية، من فرض الرسوم على حلفاء تقليديين إلى التعاطي مع الجغرافيا السيادية كأنها أصول قابلة للبيع، لا كإجراءات معزولة بل كمؤشرات على تفكك النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. نحن أمام عالمٍ يتحرر من القيود المؤسسية والأخلاقية معًا، ويُدار بإرادة فردية بلا ضوابط، حيث تتساقط التكتلات تباعًا بفعل تناقض الرؤية الواحدة، ويُعاد تعريف القوة بعيدًا عن القانون والقيم.
وهنا يبرز خطر تفكك حلف شمال الأطلسي بوصفه أولى علامات هذا الانهيار البنيوي. فالناتو لم يعد مهددًا فقط بتباين المصالح أو الخلافات حول الأعباء المالية، بل بتآكل الثقة التي تشكّل جوهره. حين يُطرح ملف غرينلاند بمنطق الابتزاز أو “الشراء”، في تجاهل صارخ لسيادة دولة عضو في الحلف، فإن ذلك ينسف الأساس الأخلاقي والسياسي للتحالف. غرينلاند، بما تمثله من موقع استراتيجي وثروات كامنة، تحولت من رمز للتكامل الغربي في القطب الشمالي إلى نقطة تصادم تكشف عقلية ترى في الحلفاء أدوات مؤقتة لا شركاء استراتيجيين. ومع استمرار هذا النهج، يصبح الناتو مهددًا من الداخل، لا بفعل خصومه، بل بفعل من يفترض أنهم قادته.
بالتوازي، يقف الاتحاد الأوروبي على حافة تفكك صامت تقوده حرب أوكرانيا. فبدل أن تكون الحرب لحظة توحيد، تحولت إلى عامل تعرية لانقسامات عميقة داخل القارة. شرق أوروبي يرى في المواجهة مع روسيا مسألة وجود وأمن تاريخي، وغرب مرهق اقتصاديًا واجتماعيًا من كلفة العقوبات، وأزمات الطاقة، والتضخم، وتآكل الطبقات الوسطى. ومع غياب أفق سياسي واضح للحرب، تراجعت فكرة القرار الأوروبي المستقل، وبرزت التبعية الاستراتيجية لواشنطن بوصفها عبئًا لا ضمانة، ما فتح الباب أمام صعود الشعبويات القومية التي تشكك في جدوى الاتحاد نفسه كوحدة سياسية واقتصادية.

أما التكتلات البديلة، وعلى رأسها مجموعة بريكس، فلم تنجُ بدورها من منطق التفكك. فعلى الرغم من ثقلها الديمغرافي والاقتصادي، عجزت هذه المجموعة عن التحول إلى كتلة سياسية متماسكة قادرة على نصرة أعضائها أو الدفاع عن مصالحهم في لحظات الاختبار الكبرى. التناقضات الداخلية، وتضارب الأولويات، والخوف من كلفة المواجهة، حوّلت بريكس إلى إطار فضفاض يفتقر إلى الإرادة المشتركة. وهكذا، بدل أن تشكل بديلاً عن النظام الغربي المتآكل، أصبحت جزءًا من مشهد عالمي يتسم بتعدد الأقطاب بلا قواعد، وبقوة بلا مسؤولية.
في قلب هذا المشهد المأزوم، يبرز الانهيار شبه الكامل لدور الأمم المتحدة. المنظمة التي أُنشئت لضبط النزاعات ومنع الحروب تحولت إلى شاهد عاجز، مكبّل بحق النقض، وأسير توازنات لم تعد تعكس واقع القوة ولا تحمي الضعفاء. القانون الدولي يُستدعى انتقائيًا أو يُدهس علنًا، والشرعية الأممية باتت تفصيلًا ثانويًا في عالم يحكمه منطق الأمر الواقع.
غير أن الخطر الأعمق لا يكمن فقط في تفكك التكتلات أو عجز المؤسسات، بل في أن العالم بات فعليًا تحت رحمة الشخصنة السياسية، حيث تُختزل الدول الكبرى وإرادات شعوبها في مزاج الحاكم وحالته النفسية. القرارات المصيرية لم تعد نتاج مؤسسات أو توازنات، بل انعكاسًا مباشرًا لشخصيات مأزومة، نرجسية أو قلقة، ترى في القوة تعويضًا عن هشاشتها الداخلية، وفي الصدام وسيلة لإثبات الذات. في هذا السياق، يُفرض منطق القوة العارية لا كخيار استراتيجي محسوب، بل كإفراز مرضي لسلطة انفصلت عن القيم.وحين تسقط القيم – قيم العدالة، القانون، التضامن، والمسؤولية الجماعية – لا يبقى شيء يَحكم العالم سوى الغريزة. عندها لا يعود الحديث عن نظام دولي، أو أمن جماعي، أو شرعية أممية ذا معنى. ما يسقط هنا ليس تحالفًا أو منظمة، بل فكرة الإنسانية المشتركة نفسها. وحين تُهزم هذه الفكرة، يصبح كل شيء مباحًا: السيادة، والحدود، والموارد، والدم. عالم بلا ضوابط، تُدار فيه السياسة بمنطق الصفقة، وتُعاد فيه صياغة الجغرافيا والاقتصاد والأمن بإرادات فردية، لا برؤية جماعية. وفي عالم كهذا، لا أحد محصن، ولا تكتل بمنأى عن السقوط، ولا مستقبل يُبنى والجميع يتراقص على حافة الهاوية………… وربما السقوط تكتلات و دول.

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها