سام منسّى

الأثنين ٢٢ شباط ٢٠٢١ - 10:14

المصدر: الشرق الأوسط

سذاجة التفاهمات ووسطية بايدن والتشدد الإيراني

تعجّ وسائل الإعلام بالتحليلات والتقارير التي تحاول استشراف ما تعتزم الإدارة الأميركية الإقدام عليه بالنسبة لعلاقتها بطهران لا سيما الملف النووي، ويبدو أنَّ أغلبها إن لم يكن كلها يصب، عن خطأ أو صواب، في صالح الاتجاه نحو تفاهمات أميركية إيرانية مقبلة.
في الوقائع، الأكثر أهمية هي الأنباء المتعلقة برفع واشنطن حركة «أنصار الله» الحوثية في اليمن من لوائح الإرهاب، ومراجعة الإدارة الأميركية والكونغرس صفقات السلاح إلى السعودية والإمارات لا سيما صفقة طائرات «إف 35» وسحب واشنطن إعلان «استئناف» كل عقوبات الأمم المتحدة على إيران، وقبولها دعوة من الاتحاد الأوروبي لحضور اجتماع للموقّعين الأصليين على الاتفاق النووي لمناقشة مسار دبلوماسي مستقبلي حوله.
وتبرز أيضاً تسريبات أكثر منها معلومات حول تفاهمات تقول إن إيران ستقابل إزالة الحوثيين عن لوائح الإرهاب بالإفراج عن الحكومة اللبنانية المصادرة، وإن واشنطن ستسلم الملف اللبناني لفرنسا، وستقبل بما يمكن أن يتوصل إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر مبادرته.
وتطل في الأفق كذلك مبادرة لموسكو عرضها ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي، للخروج من الانسداد السياسي في لبنان، تلاقي الدور الفرنسي في خطوطه العريضة.
وعلى الرغم من أن سلة المعلومات والتسريبات هذه تتوافق مع ما رُشّح من توجهات لإدارة جو بايدن في ملف الإقليم، يصعب بخاصة فهم المغزى السياس الأميركي وراء إزالة الحوثيين عن لوائح الإرهاب ومراجعة صفقة طائرات «إف 35» في هذا التوقيت بالذات. كما يصعب بعامة فهم مغزى العودة إلى مربع «السذاجة الأوبامية» الأول في التعامل مع طهران بحصرها المشكلة مع إيران في الشق النووي وتصديقها ثانياً أن إيران تفي بالتزاماتها، وأنها قد تقدم تنازلات في أي ملف قد تهدد أسس هيمنتها في المنطقة.
فقبل أن يجف حبر قرار الخارجية الأميركية رفع الحوثيين عن لوائح الإرهاب، وفي اختبار للإدارة الجديدة، جاءت التعديات الحوثية بقصف مطار أبها في السعودية ومطار أربيل في كردستان، رافقتها تصريحات ومواقف القادة والمسؤولين في إيران التهديدية وخطاب متشدد لأمين عام «ح-ز-ب ا-ل-ل-ه» في لبنان رفض فيه دعوة بطريرك الموارنة لمؤتمر دولي لتسوية أزمة لبنان ونسف مضمونها، معرباً في الوقت عينه عن تمسكه بتفعيل تفاهم محور الحزب – التيار الوطني عبر محاصرة «معاً»، أي حكومة مستقبلية بثُلث معطِّل. كما أمر القضاء بإنهاء التحقيق بتفجير المرفأ، رافعاً نبرة التهديد بطرح معادلة ردع جديدة بين حزبه وإسرائيل. كلها وقائع تؤكد أن إيران لن تغيّر من سلوكها وأنه من السذاجة الاعتقاد أنها ستقايض التراجع الأميركي تجاه الحوثيين بتليين موقفها في بيروت والإفراج عن تشكيل الحكومة المعلق منذ أكثر من خمسة أشهر.
إن قرار واشنطن بشأن الحوثيين يبقى بمثابة سيف يضرب في الماء، لا سيما أنها على دراية تامّة بأن ما تسعى إليه إيران في اليمن، هو جعل الحركة الحوثية تحاكي «ح-ز-ب ا-ل-ل-ه» ودوره وقوته في لبنان والمشرق. ولا يغيب عن واشنطن أيضاً أن السعودية لن تقبل ولا بصورة من الصور وجوداً إيرانياً بهذه الكثافة والفاعلية على حدودها مع اليمن. من دون وعي واشنطن ماهية خطر إيران وتجاوزه الملف النووي ليصل إلى هواية ضم العواصم العربية إلى محافظاتها. ومن دون قدرتها على احتواء سياسة إيران التوسعية ليس فقط في اليمن بل في الإقليم ككل، وهو ما لم تتضح صورته بعد، ستبقى مثل هذه الخطوة زَلّة قد تكلف الكثير.
وتتواصل الزَّلَّات إذا صحَّ ما يُحكى عن تجيير سياسة واشنطن تجاه بيروت إلى باريس وتبنّي مبادرة الرئيس الفرنسي ماكرون، كون المبادرة أُفرغت من مضمونها. فتكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة بدفع من الثنائي الشيعي «أمل» و«ح-ز-ب ا-ل-ل-ه» لم يكن بريئاً، إذ كانا على دراية بأنه سيفتح شهية الأطراف السياسية الأخرى ويبدأ التناتش على الحصص والحقائب، بما يُزيل عن الحكومة العتيدة سمة حكومة المستقلين التي لحظتها المبادرة الفرنسية، ويؤدي حُكماً وضمن ميزان القوة الداخلي والخارجي إلى سيطرة «ح-ز-ب ا-ل-ل-ه» مجدداً على صناعة القرار فيها. وإذا أُضيف إلى ذلك التراجع عن قبول مبدأ المداورة في الوزارات والعودة إلى تخصيص وزارة المالية للطائفة الشيعية، أي «أمل» و«ح-ز-ب ا-ل-ل-ه»، نكون قد عدنا إلى نقطة الصفر في السياسة كما في الاقتصاد والمال والإصلاح وإعادة البناء واستمرار العوائق ذاتها، التي لا تسمح للدول الخليجية ودول عربية رئيسية أخرى كما الدول الغربية بالمساهمة جدياً بمساعدات قادرة على إنقاذ البلاد.
هذا السيناريو الأميركي الفرنسي المُفترض يتناسى الموقف الإسرائيلي الرافض لتنامي قدرة «ح-ز-ب ا-ل-ل-ه» العسكرية في لبنان وسوريا كما للوجود الإيراني فيهما، والمتجلي في الغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية شبه الروتينية ضد أهداف إيرانية داخل الأراضي السورية، كما في التصريحات الأخيرة للمسؤولين الإسرائيليين.
هذه المعوّقات تُبيّن أن المبادرة الفرنسية وُلدت ميتة، لأنها لم تعمل على معالجة صلب المشكلة، ما يثير العجب ويبعث على التساؤل بشأن المتوقّع أن تحققه أي حكومة جديدة إذا قُدِّر لها أن تتشكل من دون معالجة القضايا الرئيسية التي أوصلت البلاد إلى القعر وهي: إعادة بناء الدولة، والمصالحة مع العرب وطمأنة إسرائيل، والقاسم المشترك بينها هو «ح-ز-ب ا-ل-ل-ه» وإيران. فبناء الدولة يعني أولاً تحريرها من قبضة «ح-ز-ب ا-ل-ل-ه»، والمصالحة مع العرب تعني تراجع الحزب عن أدواره التخريبية كافة في المنطقة لصالح إيران، وردع هذه الأخيرة عن سياساتها التوسعية في الإقليم، وتطبيع علاقاتها مع العرب، والإقلاع عن دور الولد الشقي المشاكس باستمرار.
طمأنة إسرائيل تكون عبر تفاهمات بمنع الحدود اللبنانية ولبنان بعامة أن يكون مصدر تهديد للأمن الإسرائيلي بأي شكل من الأشكال، والتوصل إلى ترسيم الحدود البرية والبحرية بين البلدين وتثبيت اتفاقية الهدنة سنة 1949.
بالنسبة إلى الدور الروسي المتعثر، فهو بحاجة لينجح في لبنان أن ينجح في سوريا، وهذا ما لم يتحقق على الصُّعد كافة بدءاً من الفشل في إيجاد حل سياسي للحرب السورية، وفي تعويم بشار الأسد حتى الآن عربياً ودولياً، كما في احتواء الدور الإيراني لا سيما بالنسبة إلى ما تعدّه إسرائيل تهديداً لأمنها ومخاطره على تفجير الأوضاع على مستوى المنطقة، وصولاً إلى فشل الضغط على النظام السوري لإعادة النازحين والحشد لإعادة الإعمار. كل التخبط الروسي مردُّه تموضع موسكو إلى جانب طهران، وما دامت عاجزة أو غير راغبة أو الأمرين معاً بمعالجة ممارسات إيران واحتوائها، فإن الرهان سيكون عبثاً على دور روسي فعال ومثمر إنْ في لبنان أو سوريا أو على مستوى نزاعات المنطقة وأبرزها النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وأقصى ما تقدر عليه موسكو يبدو أنه التوسط لتبادل أسرى غامض بين سوريا وإسرائيل!
هذه المعطيات تصبح أكثر تشاؤماً مع ما يرجّح من تجربة المفاوضين المعنيين في إدارة بايدن لحظوظهم مع إيران عبر الدبلوماسية الناعمة مجدداً والتي اختبرتها إدارة باراك أوباما. وعلى الرغم من ذلك، يبقى الرهان على وسطية وخبرة الرئيس الأميركي بحيث يصعب أن يتمكن معاونوه من القفز فوق عوائق كثيرة داخلية أميركية وخارجية في الإقليم وأبرزها غلبة التشدد في إيران على ما عداه.