المصدر: صوت لبنان
طرد السفير الإيراني: لبنان بين منطق الدولة ومنطق الساحة
في السيادة، العنف، والتبعية الإقليمية
أخيراً صدر القرار الشجاع لطرد السفير الايراني في لبنان من قبل وزير الخارجية بغطاء حكومي ورئاسي. فما كان من أبواق حزب الله الا ان تمارس هوايتها المعتادة، فتهدد وتتوعد. والحزب الذي تهجّر بسبب حربه ثأراً لمقتل الخامنئي، حوالي مليون وربع المليون مهجّر ونازح، نسبة وازنة منهم فقدت المنزل ومصدر الرزق وباتت في مهب الريح. ومع ذلك يحمل الحزب وجمهوره المسؤولية للحكومة، وخرجت بعض عناصره تهدد ب 7 أيار جديد. ممارسات الحزب الذي أصبح خارج الشرعية والقانون، تهدد بإثارة النزاعات الأهلية.
ان ما يشهده لبنان اليوم، لم يعد من الممكن التعامل معه بوصفه أزمة سياسية عادية، أو خلافاً داخلياً يمكن احتواؤه ضمن الأطر التقليدية. نحن أمام لحظة مفصلية تكشف، بوضوح غير مسبوق، عن صراع بنيوي بين نموذجين متناقضين: نموذج الدولة ذات السيادة، ونموذج “الساحة” المفتوحة التي تُدار من خارجها.
في هذا السياق، تكتسب الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية ورئاسة الجمهورية بعداً رمزياًُ، وأهمية تتجاوز بعدها الإجرائي أو الدبلوماسي، لأنها تشكل من ناحية لتصبح تعبيراً عن محاولة استعادة مبدأ أساسي في علم السياسة الحديث احتكار الدولة للعنف المشروع (ماكس فيبر).
فالدولة، وفق هذا التعريف، لا تقوم فقط بوظائف إدارية، بل تحتكر شرعية استخدام القوة ضمن حدودها. وعندما يتآكل هذا الاحتكار، تدخل الدولة في حالة “ازدواج سيادي” تؤدي تدريجياً إلى التفكك الى النتائج التالية:
اولاً إن فتح جبهة عسكرية دون قرار رسمي من مؤسسات الدولة لا يمكن تفسيره كخلاف سياسي، بل هو خرق مباشر للعقد الاجتماعي (روسو)، حيث تُنزع من المواطنين قدرتهم على تفويض السلطة التي تقرر مصيرهم.
فاللبنانيون لم يختاروا الحرب، ولم تُعرض عليهم، ولم تمر عبر مؤسساتهم.
ومع ذلك، يدفعون ثمنها:
نزوح جماعي واسع
خسائر اقتصادية واجتماعية
تفكك في البنية المجتمعية
هنا، لا يعود السؤال: “من يدير الأزمة؟” بل يصبح: من يملك الحق أصلاً في إدخال مجتمع كامل في الحرب؟
ثانياً: إن التهديد باستخدام القوة داخل البلاد، أو التلويح بتكرار أحداث عنيفة سابقة، ينقل السلاح من وظيفته المعلنة (مقاومة خارجية) إلى وظيفة أخرى أكثر خطورة: إدارة التوازنات الداخلية بالقوة.
(وهذا ما سبق واشرنا اليه في مقالات سابقة) وتفسره هنرييت لويس بنظرية “دوّامة العنف”، حيث يتحول العنف من أداة استثنائية إلى بنية قائمة بذاتها، تعيد إنتاج نفسها عبر الخوف والردع المتبادل؛ فلا يعود وسيلة حماية، ليصبح أداة ضبط وقمع سياسي واجتماعي. وهذا ما يؤدي الى تفكك الدولة اللبنانية.
ثالثاً: ما يجري في لبنان يرتبط بالنفوذ الذي تفرضه إيران على لبنان، فالتصريحات الصادرة عن مسؤولين إيرانيين خلال السنوات الماضية حول هيمنتها على العواصم العربية، تعكس سياسة إيران لفرض نفوذها على المنطقة. كما أن حضور الحرس الثوري في لبنان والمنطقة، وإعلانه المتكرر عن دوره العملياتي، يضعنا أمام نموذج لما يسميه علماء العلاقات الدولية “الفاعلون ما دون الدولة المرتبطون بدولة راعية “Proxy”؛ والخطورة ان هذا جعل لبنان خاضعاً لتوازنات لا يملك أي تأثير عليها.
إن الحديث عن جناحين سياسي وعسكري ضمن بنية واحدة يتناقض مع أداء ومواصفات سلوك حزب الله، فلديه وحدة القرار الاستراتيجي، ووحدة القيادة، ووحدة مصادر القوة. كل ذلك يشير الى أن ما يبدو “ازدواجاً” هو في الواقع:
تكامل وظيفي ضمن بنية واحدة. وهذا ما يجعل من الصعب، بل من غير الدقيق، التعامل مع هذه البنية كحزب سياسي تقليدي. كما تؤكد نظرية الوظائفية (Organizational Theory).
من هنا الأهمية القصوى لمحاولة الدولة اللبنانية، التي تعاني من ضعف بنيوي مزمن، استعادة دورها. لأن تماسك المجتمع (Cohésion sociale) لا يمكن أن يستمر دون إطار ناظم يحدد القواعد المشتركة وبالتالي، أي تراجع إضافي في هذا الإطار يعني: انتقال المجتمع إلى منطق الجماعات، تفكك الهوية الوطنية، تصاعد احتمالات النزاع الأهلي.
لذلك، فإن دعم خطوات الدولة اليوم لا يُفهم كاصطفاف سياسي، بل كدفاع عن الإطار الوحيد القادر على منع الانهيار الكامل.
صحيح ان حزب الله مسؤول، أخلاقياً، عن استجرار الحرب الإسرائيلية على لبنان، لكن المسؤولية الأكبر تقوم على الجهة التي دعمته ووجهته. إن إيران، بسياساتها الإقليمية وتدخلها المعلن، تتحمل مسؤولية مباشرة في إدخال لبنان ضمن هذه المعادلة.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات،
بل إلى استعادة مبدأ بسيط وواضح:
لا سيادة دون قرار واحد…
ولا قرار واحد دون دولة.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها