رشا الأطرش

الأربعاء ١٤ شباط ٢٠٢٤ - 21:24

المصدر: المدن

علوم الحب

ثمة ما يحدث في عالم الحب. ليس في أشكال العلاقات وماهيتها بالضرورة، وليس فقط في الظواهر، مُعلَنةً كانت أم مُبطّنة. لعل ما يحدث ويتكوّن ويكتسب مادته الصلبة، أكثر من أي شيء آخر، وربما أكثر من الحب نفسه، هو هذا العالم الآخذ في الاتساع على غاربه، مثل الفضاء الكونيّ الذي لا ينفك يتمدد إلى ما لا نهاية بدفع كامنٍ فيه ومن طبيعته، إذ يُولَد الدافع مع مادة المدفوع… مع كل انفجار كبير بمساحة شخصَين، قلبَين، جسدَين، مع كل دويّ مرغوب أو غير مرغوب فيه، مُنتظَر أو مُفاجئ، ولا يهم إن فرقَع فعلاً أم لا. عالم الحب يكبر وينفلش لأن ثمة مَن يحب هذا العالم بقدر ما يحب الحب وحبيباً سابقاً أو حالياً أو آتياً من الغَيب. تتناسل منسوجات الأفكار في هذا العالم، خيالاته وآدابه وأغانيه، سينماه وتلفزيونه… هذا نعرفه. لكن الصاعد الجديد يتمثل في علوم الحب.

في كوكب مضطرب، قلِق، مسلوب الاستقرار، يزدهر عالم بديل، داخله. ملجأ المتعبين. هكذا تقول الإحصاءات عن روايات الحب التي ما عاد القراء “الجادّون” يخجلون بالتصريح بقراءتها، بل أخرجوها من أقبية الأدراج الملاصقة للأسرّة، واندفعوا يكتبون عنها ويراجعونها ويقيّمونها في منصات التواصل الاجتماعي، وهي تتصدّر المبيعات في بلاد صناعة الكتاب.

ويَبطُل العجب حين يُعاد الأمر إلى أيام جائحة كورونا. أدبرت أزمة كوفيد وعزلتها، لكن كيوبيد بقي أقوى وأكثر حيوية، مقاتلاً ببروكسي الحب، تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية ازدادت تدفقاً… أو لعلها هي هي، منذ بداية الخليقة، لكن البشر باتوا أميَل إلى المواجهة بالتناسي، أو قد يختارون بالأحرى المواجهة بالظَّهْر الذي لا يُنكِر المشاكل كما لا يستحي بعجزه، فيما الوجوه والصدور تنتقي مَشاهد وحَقائق أخرى لتقابلها، تحتضنها. وما ينطبق على الروايات، يهيمن أيضاً على لوغاريتمات المشاهدة والاستماع، في السينما كما مختلف منصات البث. وبموازاة ذلك كله، هناك أيضاً عِلمٌ يزداد عِلماً، وتتفرّع مُتَعه.

العلماء يزدادون تفكيراً في الحب وكتابةً عنه. كيمياؤه، سيكولوجيته وإحصائياته. يستخدمون الخوارزميات والمَجاهر ويتعمّقون في لغاته… بل ثمة من مارس العادة السرية (التي يبدو أنها تفقد سريّتها أكثر فأكثر) داخل جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي. كُتُب وكُتُب، مقالات في المجلات، الدوريات الرصينة والأغلفة اللامعة في صالونات الانتظار حيث قلما يستطيع أحد مقاومة إجراء تلك الاختبارات السريعة التي تصنّف المُجيب على أسئلتها في إحدى خانات العشق والعشاق: الغيور(ة)، المستقل(ة)، الخائف(ة) من الارتباط، خانق(ة) الحبيب بالتعلّق، أو الناجح(ة) في العلاقات العاطفية طويلة الأمد. ثم المزيد من الكُتُب في “أمازون” و”كيندل” والمكتبات المحلية وحفلات التوقيع.. حتى انبرت محركات البحث ومواقع “دُود الكتب” بإعداد اللوائح والتوصيات: أفضل 10 كتب لفهم الحب، أفضل 20 كتاباً ستغير حياتك ونظرتك للعلاقات العاطفية والزواج…

والعِلم هذا ليس صوتاً منفرداً. بل كَورَس علماء نفس ورياضيات وأنثروبولوجيا وسوسيولوجيا وبيولوجيين، وطبعاً أدبيات النساء والرجال من كل شكل ونوع. يهتم البعض بتوظيف العِلم في مساعدة الناس على الاستمتاع بحياة جنسية ورومانسية “أفضل”.. أياً كانت مدلولات هذه الكلمة. والبعض الآخر يسعى إلى تدبيج معرفة حقيقية ثم تبسيطها لجعلها شعبية.. اكتشافات وكلام مثير عن الحب، بعدما كان فيه! والتعرف، بدلاً من الحبيب، على الحب نفسه. ذاك الغامض، النادر، المبتذل.

في أحد مواقع عروض الكتب، يقول المحرر في مقدمة للائحة من أفضل عشرة كتب عن مَعارف الحب: “تطبيقات المواعدة الخاصة بك، تراقبك”، شارحاً أن القائمين على هذه التطبيقات، تعلموا من المستخدمين وبياناتهم، وها هم يعيدون لهم “بضاعتهم” بالكثير مما سيفاجئهم: “سيكون أداؤك أفضل في المواعدة إذا اعتقد البعض أنك غير جذاب(ة)، والرجال أكثر انفتاحًا بشأن مظهر المرأة، مقارنة بالعكس”.

كريستيان رادر، مثلاً، هو أحد مؤسِّسي موقع مواعدة شهير اسمه “أوكي كيوبيد”، وتطوّر نشاطه إلى قائد فريق تحليل بيانات من مواقع مواعدة متنوعة، بالإضافة إلى ما تجود به من كنوز، شركاتٌ عملاقة مثل “فايسبوك” و”غوغل”، إلى الحد الذي خوّل رادر وضع كتاب، من الناس ولهم. وما يجعل هذا النهج مثيراً للاهتمام، بحسب المحرر، أنه، وفي حين تكشف البحوث الاستقصائية كيف يصف الأشخاص أنفسهم للباحثين، فإن سلوكياتنا عبر الإنترنت تكشف ما نفعله عندما نعتقد (بسذاجة) أن أحداً لا يرانا.

وها هو محرر آخر، يشدّنا من شَعر فضولنا: “إذا كنت تريد أن تضحك بصوت عالٍ فيما تُبحر في عِلم الجنس، فاقرأ كتاب “بونك”(ضاجِع). مؤلفته، ماري روتش، هي واحدة من أكثر كتّاب العلوم إمتاعًا في هذا المجال. يتّسم العديد من الكتب الموجودة في هذه اللائحة بشعور بالانفصال العلمي، إذ تقدم البيانات، لكنها لا تتحدث مطلقًا عن الأفراد الواقفين خلفها. تقرأ روتش موضوعها بشكل مختلف تماماً. تتعمق في وظائف الباحثين في مجال الجنس وشخصياتهم، بالإضافة إلى نتائج دراساتهم. والنتيجة هي كتاب سيطلعك على نتائج علم الجنس الحديث، لكنه سيسليك أيضاً بمجموعة من غريبي الأطوار الذين يرتدون مريول المختبر الأبيض، إضافة إلى تجارب وحقائق عجائبية. ستقرأ عن أفضل البحوث حول: ما إذا كان الرجال الموتى يستطيعون تحقيق الانتصاب، ولماذا لا تعمل الفياغرا على النساء أو الباندا، والتاريخ الطويل للاستمناء الطبي”. هكذا، لا تكتفي علوم الحب بتكريس نمطها المعرفي، بل تجترح اهتماماً إضافياً بكواليسها ونميمتها المتنامية حول نجومها.. وهم، إلى جانب نساء العالم ورجاله، هم الباحثون أنفسهم.

وإن كان معظم العلماء يسعون إلى أهداف ثلاثة أساسية، هي الفهم والتنبؤ والسيطرة، فالأرجح أن هذا الهدف الأخير لا يتسنّى إلا للعلماء الذين يستطيعون تطويع ما يدرسونه من ظواهر. لقد أخذنا العِلم إلى القمر، عالَج الأمراض، وحوّل ضوء الشمس إلى كهرباء، وغَيَّر طريقة تواصُلنا.. وربما قريباً يفك طواطم الحب وطلاسمه، طالما ينكبّ على دراسة قبائل المحبّين.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها