المصدر: صوت لبنان
فنزويلا صراع البقاء امام دبلوماسية المدفع الاميركي
شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعد الخطاب الأمريكي تجاه فنزويلا إلى مستوى غير مسبوق منذ عقود، إذ صدرت تصريحات رئاسية وقرارات عسكرية واستخباراتية وتقييدية عن إدارة الولايات المتحدة تُلمّح إلى إمكانية تغيير قواعد اللعبة في المنطقة الكاريبية واخرها صبيحة اليوم وعبر الرئيس ترامب بأن أيام مادورو باتت قليلة. و من خلال هذا المقال نسلط الضوء عبر قراءة موضوعية وغير منحازة لما يجري: من الخلفية السياسية والاستراتيجية، الى الأهداف الأمريكية المحتملة، و السيناريوهات المتوقعة، وقياس مخاطر كل مسار من وجهيها الجيوسياسي والجيو-اقتصادي.
تصريحات وردود الفعل التي أعقبت إعلان الرئيس الأمريكي أن أيام مادورو معدودة لا تُفهم بمعزل عن خريطة الإجراءات المرافقة: من توسع في التواجد العسكري الأمريكي في الكاريبي ونشر طائرات وقوات بحرية، إضافة الى ضربات موجّهة ضد زوارق مشتبه بها مرتبطة بتهريب مخدّرات؟!!، وإذن للرئيس بتوسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات للعمليات في المنطقة. كما رافق ذلك رفع مكافأة مالية للقبض على قائد الدولة الفنزويلية وتكثيف الضغط الدبلوماسي والاقتصادي. هذه الخطوات شكلّت إطاراً عملياً يخلط بين خطاب تحذيري وعمل متدرّج للضغط، وعليه الأهداف الأمريكية المحتملة يمكن تفكيكها إلى مجموعة متداخلة من الدوافع: أولها الأمن الداخلي المرتبط بمكافحة شبكات تهريب المخدّرات التي تُحمل إليها مسؤولية وصول شحنات إلى الأسواق الأمريكية؛ ثانيها أهداف استراتيجية إقليمية تتمثل في إعادة فرض نفوذ واشنطن في الفضاء الكاريبي وأمريكا اللاتينية بعد عقود من تراجع الهيمنة؛ ثالثها دوافع سياسية داخلية تتعلق بتعزيز صورة الإدارة الحالية أمام جمهور ناخبيها. كما لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي، إذ تمتلك فنزويلا احتياطيات نفطية وموارد طبيعية يُنظر إليها كمكوّن مهم في الخريطة الجيو-اقتصادية وربما هنا بيت القصيد مع رجل الصفقة دونالد ترامب؟!!!!!. هذه الأهداف تتقاطع أحياناً مع محاولات تقويض تحالفات خصوم واشنطن الإقليميين.
وعلى وقع ذلك نرى جملة سيناريوهات تحضر، أول السيناريوهات المحتملة هو سيناريو الضغط المستمر الممزوج بعمليات استهداف لعناصر شبكات التهريب بهدف إضعاف قدرة النظام دون المواجهة المباشرة مع الدولة. هذا السيناريو يميل إلى احتواء المخاطر لكنه يلاحق نتائج مقطعية قد تُفضي إلى تصعيد متقطع أو انتقام محلي. السيناريو الثاني هو سيناريو تحريض الانشقاق الداخلي في المؤسسة العسكرية الفنزويلية عبر رسالة إشارة إلى أن تكلفة استمرار دعم النظام باتت أعلى من المكاسب، ما قد يؤدي إلى استقالة أو فرار بعض القيادات. السيناريو الثالث، الأكثر خطورة، هو انزلاق عسكري مباشر أو عمليات خاصة واسعة النطاق تؤدي إلى مواجهة مفتوحة أو أزمة إقليمية ممتدة. كل سيناريو يحمل تبعات متفاوتة على السكان والفواعل الإقليميين والدوليين، هنا لابد من تقييم المخاطر الجيوسياسية فالتحرّك الأمريكي بقوة في محيط فنزويلا يثير توترات مع فاعلين دوليين آخرين، ولا سيما روسيا والصين، اللتين تربطهما بعلاقات دعم ومصالح مع كاراكاس. تدخل صريح أو تصعيد عسكري قد يُحوّل الأزمة إلى مواجهة أوسع بالنظر لتشابك قواعد النفوذ الدولية في المنطقة، ويتسبب بترسيخ مزيد من الاستدعاءات والقطيعة الدبلوماسية. على الصعيد الإقليمي، قد يدفع الضغط إلى تقارب بين أنظمة تسعى لمقاومة الضغوط الأمريكية، ويغيّر موازنات الأمان في أمريكا اللاتينية، والى جانب ذلك لابد من تقييم المخاطر الجيو-اقتصادية لما لذلك من خطورة فأثر أي اضطراب كبير في فنزويلا يتخطى حدود البلد إلى سوق النفط والأسواق الإقليمية. فاضطراب إنتاج النفط أو تعطل الصادرات يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بما يضر الاقتصادات الضعيفة ويزيد من الضغوط التضخمية، خصوصاً في اقتصادات مستوردة للطاقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن موجات نزوح لاجئين أو تعطّل سلاسل الإمداد الإقليمية ستفاقم أعباء جيو-اقتصادية على دول الجوار. كما أنّ فرض عقوبات أو تدابير مالية إضافية يزيد من تباعد الاستثمارات ويخلق بيئة مخاطرة مرتفعة لرجال الأعمال الدوليين والإقليميين.
إن توجيه ضربات أو عمليات استخباراتية بعيدة عن إطار موافقة دولية واضحة يفتح نقاشاً قانونياً حول مشروعية العمل في المياه الإقليمية أو الدولية، ومسؤوليّات الحماية الدولية للمدنيين. أخلاقياً، تبرّر واشنطن بعض إجراءاتها بحجة مكافحة المخدّرات والأمن، لكن أي تصعيد يؤدي إلى خسائر بشرية أو معاناة مدنية يطرح أسئلة حول التناسب والبدائل السلمية والدبلوماسية
تظهر القراءة الموضوعية أن واشنطن تسعى إلى مجموعة من الأهداف المتداخلة بين الأمن والسياسة والاقتصاد، وأنها تستخدم أدوات متعددة من الضغط الدبلوماسي والاقتصادي إلى الخيار العسكري والاستخباراتي كآليات لتحقيق تلك الأهداف. السيناريو الأكثر احتمالاً في المدى القصير هو تكثيف الضغوط واختبار نقاط التحمل في القوات المحلية على أمل حدوث تغير داخلي محدود دون مواجهة شاملة. مع ذلك، تبقى المخاطر كبيرة وواقعية لانتقال الأزمة إلى مواجهة أوسع أو لإحداث أضرار اقتصادية إقليمية،
إن المشهد الحالي في العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا يجمع بين لغة تحذيرية وإجراءات عملية تصعيدية. فالفهم الأكاديمي الموضوعي يدعو إلى التمييز بين خطاب سياسي داخلي واستراتيجية خارجية لها انعكاسات عملية. وعليه إن الاحتمالات مفتوحة لكن درء المخاطر يتطلب إجراءات حذرة، دبلوماسية متعددة الأطراف، وتركيزاً على حماية المدنيين ومنع توسيع رقعة التوتّر إلى مواجهة إقليمية أوسع قد تبذأ من الكاريبي وتنعكس على كل الاقتصاد الإقليمي والدولي وعليه الامر يتوقف على قاعدة: الى متى يبقى نجاح الأميركي في الرقص على إيقاع دبلوماسية التهديد والمدفع؟ و الى متى تستطيع فنزويلا الاحتماء بحلفائها ؟و مدى قدرة الرئيس مادورو على التحصن بالداخل؟
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها