المصدر: صوت لبنان
في سرديّة العداء لدولة إسرائيل
إنطلقت سرديّة العداء لدولة إسرائيل بفعل إحتلالها لأرض فلسطين وتهجير أبنائها منها بشكلٍ مكثّف ما بين سنتي 1946 و1948 الى الدول المتاخمة لدولة إسرائيل لا سيما مصر، الأردن، سوريا ولبنان.
وإن نشأة هذه الحالة العدائية قد ترسّخت في الحروب التي خاضتها الدول العربية ضدها من دون أن تؤدّي الى تحرير أرض فلسطين (1948 و1967 و1973). الأمر الذي وضع تلك الدول في وضعية المؤتمنة على حلّ القضية الفلسطينية، كقضية قوميّة عربية مركزية، لا تنازل عنها ولا تسوية على حسابها ولا تخلّي عن المثابرة لإحقاقها.
ولبنان، كعضو في جامعة الدول العربية، قد تماهى موقفه العدائي من دولة إسرائيل مع موقف تلك الدول. لا سيما وأنه إستضاف الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، ما يقارب المئة وخمسين الفاً خلال سنتي 1948 و 1949، وقد أُستتبعوا بالآلاف الذين رُحِّلوا الى لبنان إثر أحداث أيلول الأسود في الأردن سنة 1970.
كما وإن حالة العداء بين لبنان ودولة إسرائيل قد تفاقمت وتعقّدت بعدما رخّصت الدولة اللبنانية للمقاومة الفلسطينية بأن تستخدم أراضيها الجنوبية لشنّ عمليات عسكرية ضد أراضي دولة إسرائيل الشمالية لغرض تحريرها من الإحتلال الاسرائيلي. وأقلّه لجعلها غير مستقرّه أمنيّاً بهدف الإبقاء على شعلة الحلّ المطلوب للقضية الفلسطينية مضاءةً. وقد كرّست الدولة اللبنانية هذا الحق بالمقاومة من أراضيها ضد دولة إسرائيل بإتفاق القاهرة الذي أُبرم في 3/11/1969.
بحيث جاء هذا الإتفاق ليضاعف وضعية العداء بين لبنان ودولة إسرائيل، لكونه أفسح في المجال لأن يصبح جنوب لبنان أرض مواجهة بين تلك الدولة والمنظمات المسلحة الفلسطينية، وذلك خلافاً لما كان عليه الوضع على حدود الدول العربية المحاذية لدولة إسرائيل. إذ أبرمت جمهورية مصر العربية معاهدة سلام معها سنة 1979، ووقعت الجمهورية العربيه السورية إتفاق فضّ إشتباك معها أيضاً سنة 1974، كما وأبرمت المملكة الأردنية الهاشمية بدورها معها معاهدة سلام سنة 1994.
وإنه من إنعكاسات تلك المواجهة أن أصبحت دولة إسرائيل في وضعية ذاتية تحتّم عليها توفير الأمان لمستوطنيها في الجليل الأعلى الواقع شمالي أراضيها. فأنشأت، بعد توغّلها في الأراضي اللبنانية سنة 1978 وصدور القرار الأممي 425، حزاماً أمنياً عهدت به الى أبناء الجنوب، من مسيحيين وشيعة وسواهم بقيادة الرائد في الجيش اللبناني سعد حداد، كي يتصدّوا للعمليات العسكرية التي كانت تشنّها الفصائل الفلسطينية ضدها. غير أن هذا الحزام الأمني لم يكن كافياً لتوفير الأمان لدولة إسرائيل على حدودها الشمالية مع لبنان. بحيث كان لا بدّ من شنّ عملية عسكرية واسعة النطاق في العمق اللبناني لغاية كسر المنظمات الفلسطينية عسكرياً وتهجير قادتها من لبنان الى خارجه.
فما كان من دولة إسرائيل إلاّ أن شنّت عمليتها في 6/6/1982 التي إنتهت بإنسحاب القيادات الفلسطينية من لبنان وانسحابها هي بالذات بعد ذلك الى حدود الشريط الحدودي الذي سبق وأقامته، والذي أصبح لاحقاً بقيادة العقيد أنطوان لحد منذ سنة 1984 خلفاً للرائد سعد حداد.
غير أن إبقاء إسرائيل على هذا الشريط الحدودي تحت إشرافها وقيادتها الفعلية قد كان سبباً لإطلاق عمليات المقاومة الوطنية ضدها، بعد اندثار المقاومة الفلسطينية، وذلك حتى إنتقلت تلك المقاومة فيما بعد الى يد المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله حصرياً، الى حين تحرير الجنوب اللبناني في أيار سنة 2000، وتطبيق القرار 425 وترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية، بما عُرِف بالخط الأزرق في 7/6/2000، الذي يختلف في بعض النقاط مع خريطة الحدود الرسمية، المعروفة بخط New Comb & Paulet الموقّع في 7/3/1923، والمرفقة بإتفاقية الهدنة التي أبرمت بين لبنان وإسرائيل في 23/3/1949.
بحيث يكون بتنفيذ القرار الأممي 425 قد تمّ تحرير جنوب لبنان، الذي كان محتلاً من دولة إسرائيل. حتى إستعادت الدولة اللبنانية بسط نفوذها وسيطرتها السيادية عليه، رغم وجود النقاط الحدودية الخلافية الثلاث عشرة (13) الواقعة على مستوى حدوده الرسمية مقارنةً مع تلك المرسومة بالخط الأزرق، فضلاً عن بقاء مصير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا معلّقاً لحين تحديد مدى تبعيتهما لاي من القرارين الأمميين 425 أم 242.
وإن المقاومة الإسلامية تحت ذريعة هاتين المسألتين لم تسلّم سلاحها الى الدولة اللبنانية، كما وأبقت على إنتشار نفوذها العسكري في مناطق تواجدها في جنوب لبنان ومحافظتي بعلبك الهرمل والبقاع الشرقي والضاحية الجنوبية من بيروت، حتى ولو إنخفضت وتيرة المواجهة العسكرية في ما بين تلك المقاومة ودولة إسرائيل الى أدنى مستوياتها. فاستمرّ هذا الواقع بغطاء شبه كامل من قبل السلطات الرسمية اللبنانية.
غير أن إنخراط حزب الله في المشروع الإيراني في المنطقة العربية، أجّج من جديد الصراع العسكري بين إسرائيل والمقاومة الإسلامية. لأن هذه الأخيرة باتت متلبّسة القضية الفلسطينية ومتلبّسة بالتالي مشروع تحرير فلسطين حتى إزالة الدولة الإسرائيلية عن الخريطة الكونية.
الأمر الذي إستلزم تعزيز الترسانة العسكرية لحزب الله بشكلٍ مطَّرد في غياب أي رادع من السلطات الرسمية للدولة اللبنانية. وإن هذا الواقع العدائي المضاف ضد دولة إسرائيل قد تُرجِم عملياً بالحرب التي أعلنها الحزب ضد دولة إسرائيل في شهر تموز من سنة 2006. والتي وضعت أوزارها بصدور القرار 1701 في 11/8/2006 الذي أوقف الأعمال العدائية بين المتحاربين. ونصّ على إنهائها فارضاً على إسرائيل الإنسحاب من الأراضي اللبنانية التي إحتلتها خلالها.
غير أن إرتباط حزب الله عضوياً وعقائدياً وعسكرياً ومالياً بالجمهورية الاسلامية الإيرانية وتبنّيه لمشروعها في المنطقة تجاه دولة إسرائيل قد جعل من تنفيذ القرار 1701 أمراً مستعصياً. إذ استمرّ في تسلّحه وتعزيز ترسانته العسكرية، كما إستمرّت إسرائيل بالتوازي في خروقاتها للسيادة اللبنانية، إنطلاقاً من خشيتها على أمنها وتحسّباً للمشروع الذي يهدّد كيانها ووجودها.
من هنا إتّخذ العداء لدولة إسرائيل طابعاً إضافياً (added hostility) يُزاد على الطابع الأوّلي الذي تمثّل بمعاداة العرب أجمعين لها لإحتلالها أرض فلسطين وإنشاء دولتها عليها في 14 أيار من سنة 1948.
وإذا كان العداء الأوّلي قد إستكان عربياً بفعل عدم خوض العرب لأية حرب تحريرية لأرض فلسطين بعد سنة 1973، وانحصاره بمقاطعة مصالح إسرائيل في المنطقة العربية، ريثما ترتضي حلاًّ عادلاً للقضية الفلسطينية. ذهب المشروع الإيراني الى تأجيج هذا الصراع مجدّداً ونقله الى مرتبة المواجهة العسكرية المفتوحة. وقد أعدّ العدّة لهذه الغاية، بأن أقام أذرعاً له في البلدان المحيطة وحتى البعيدة عن الحدود الإسرائيلية. ولا سيما، في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وقطاع غزة والضفة العربية.
أما الجنوب اللبناني فقد سُخِّر ليكون أرض المواجهة المباشرة والميدان المفضّل لإنطلاقة الأعمال العسكرية منه بالنظر لمتاخمته للحدود الإسرائيلية وإمكانية تهديد الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي في عمقه الجغرافي، منه.
وإن عملية طوفان الأقصى التي إنطلقت من قطاع غزة في 7/10/2023، بمعرض تنفيذ المشروع السياسي الاستراتيجي للجمهورية الاسلامية الإيرانية، والتي إستُتبِعَت بحرب مساندة أطلقتها المقاومة الاسلامية من الجنوب اللبناني منذ اليوم التالي، في 8/10/2023، قد إنتهت الى إتفاق بوقف الأعمال العدائية بين دولة إسرائيل وحزب الله، الذي تمّ توقيعه في 27/11/2024، والذي هو قيد المراوحة وعدم التنفيذ حالياً.
بحيث يصحّ الإستنتاج بأن سرديّة العداء لدولة إسرائيل باتت تحمل في الداخل اللبناني وجهان (two faces) او طبقتان (two layers) او مستويان (two levels) من العداء. وجه العداء العربي لدولة إسرائيل الذي أقلع عن خوض الحروب ضدها، ووجه العداء المستمدّ من مشروع المقاومة الإسلامية الإيرانية ضدها، أيضاً، والذي لم تَخمد نيرانه بعد، رغم الضربات العسكرية القاسمة التي تلقاها.
وإذا كان وجه العداء الأصلي أو الأوّلي يذهب بإتجاه إيجاد حلّ عادل سلمي للقضية الفلسطينية، فإن الوجه الآخر والمضاف على ذلك العداء فإنه لم يرمِ سلاحه بعد. وما زال حزب الله يسخّر لبنان بأسره أرضاً وشعباً ومقوّمات كساحة لتفجّره ومنطلقاً لتأجّجه عسكرياً على يده. كونه يشكّل فصيلاً من اللبنانيين الذين ارتبطوا عضويّاً وعقائديّاً ومساراً ومصيراً ونهجاً وسلوكاً وقيماً بمشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حتى ولو جاء ذلك على حساب سائر اللبنانيين في كل ما يمثّلونه من خصوصية وعقيدة ومشروع وطني سيادي. بحيث بات يُسأل حصرياً دون سواه، تجاه نفسه وشعبه والعموم، عن كلفة مشروعه وأعبائه، مهما بلغت التضحيات وتنوّعت واتخذت أوجهاً.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها