المصدر: صوت لبنان
في عدم صواب طرح النظام الفدرالي كبديل عن النظام المركزي في لبنان
إن النظام الفيدرالي لا يصلح بديلاً مجدياً عن النظام المركزي الحالي في لبنان، للأسباب التالية :
١- لان النظام الفدرالي يتطلب لاقراره توافر إجماع وطني، الأمر الذي يستحيل تحقّقه. لان غالب المسلمين يعتبرون أن المطالبين بالخروج على الحكم المركزي والذين هم غالب المسيحيين إنما يريدون فضّ الشراكة الوطنية وميثاق العيش المشترك، ويبدّدون بذلك الوحدة الوطنية التي نشأ عليها لبنان الكبير. في حين أن إبقاءَهم في قفص الحكم المركزي إنما يُفيد العيش المشترك ويحجّم مكانتهم السياسية ويحول دون تفلتهم وإستقلالهم وتحررهم وتعزيز قدرتهم على التمايز.
٢- لأن النظام الفدرالي يُبقي بيد السلطة الاتحادية المركزية (pouvoir fédéral) السياسات الخارجية والدفاعية والمالية، وهي المحاور السياسية الرئيسية الثلاث التي يختلف حولها اللبنانيون وينقسمون بشكل عامودي إزاءها. وإن هذا الانقسام تجلى في كل الاحداث والمحطات والحروب الداخلية التي مرّ بها لبنان على مدى قرن ونيف من الزمن. وإن آخرها هو ما يعيشه البلد حالياً من إنشطار بين مفهوم الدولة السيادية وقيام دويلة الثنائي الشيعي على أراضيه المتبعة لمشروع دولة أجنبية، هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
٣- لانه في النظام الفدرالي يقتضي الغاء الطائفية السياسية على مستوى السلطة الاتحادية، الأمر الذي يُسقط تلك السلطة بصورة عفوية وحتمية بيد العددية الطائفية المسلمة، فتتلاشى الضمانات المعطاة للطوائف المسيحية في المناصب العليا في السلطات الدستورية وفي المؤسسات والإدارات العامة المركزية.
٤- لان النظام الفدرالي يوجب على السلطات المحلية او الفدرالية (états fédérés)، في المحافظات او المقاطعات او الأقاليم، إجراء إقتطاعات مالية من مداخيلها العامة لتغذية الخزينة المركزية التي تعود للسلطة الاتحادية. وهذا ما يضعف مالية السلطات المحلية ويعيق تحرّرها من عبء السلطة المركزية ويشكل إرهاقاً أكبر على عاتق بعض السلطات المحلية، دون سواها، التي تكون أكثرَ إنتاجية.
٥- لانه يُبقي للسلطة الاتحادية حق التشريع العام (lois-cadres) او التشريع التوجيهي او تشريع البرامج (lois-programmes)، مما يقيّد الهامش التشريعي للسلطات المحلية، فيبقيه ضمن الإطار التكميلي او التنفيذي او التنظيمي. وبذلك، تكون للسلطة الاتحادية ولاية تشريعية على السلطات الفدرالية.
٦- لان النظام الفدرالي لا يستقيم الاّ في ظل “الحياد التام والناجز” للبنان عن التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية، وعدم ولاء مواطنيه للخارج، وعدم إقحام الداخل في الصراعات والنزاعات الخارجية والاقليمية مهما كانت طبيعتها او مراميها او أهدافها، وعدم إستعانة فئة من اللبنانيين بالخارج لتحقيق غلبة على فئة أخرى من بينهم. وهي أمور مُختلف عليها بين اللبنانيين أنفسهم منذ نشأة لبنان الكبير، ما يجعل هذا النوع من الحياد أمراً مستحيلاً وأقله صعب المنال والتحقّق في ظل ما عاشه اللبنانيون من تجارب وأحداث وحروب أهلية طوال قرن ونيف من الزمن. وما يعيشونه راهناً من إنقسام عامودي في الولاء للخارج.
إزاء ما تقدم، يكون النظام الدستوري البديل الأنجع للبنان هو أحد هذين المقترحين :
أ- النظام الاتحادي الكونفدرالي (régime confédéral) الذي ينشأ، بفعل موقف آحادي، يستند الى قرار الانفصال، كما حصل في دولة يوغوسلافيا الاتحادية (RFSY)، والسير بإعلان تجزئة لبنان الى دويلتين او أكثر، على غرار النظام الانفصالي القبرصي، تكونان مستقلتين تمام الاستقلال عن بعضهما البعض في كل المجالات والمواضيع والقطاعات والسياسات العامة. وبخاصة في ما يتعلق بالسياسات الخارجية والدفاعية والمالية والضريبية وغيرها. وإن بقيت تلك الدويلات متكاملة ومتعاونة في ما بينها في العديد من القطاعات الانمائية والخدماتية والتجارية، ضمن إطار نظام دستوري إتحادي موحّد. أسوةً بالذي قام بين جمهورية مصر العربية والجمهورية العربية السورية في ٢٢ شباط ١٩٥٨، تحت مسمّى “الجمهورية العربية المتحدة”.
ب- او “نظام اللامركزية السياسية الموسّعة” (régime de décentralisation politique élargie)، الذي إقترحت ضمن أعمال “اللجنة الدستورية” التابعة “للجبهة اللبنانية” في العام ١٩٧٦، والذي يشكّل حلاً متوازناً بين جميع أبناء الأمة. وهو يقوم على التالي :
ب/١- سلطة مركزية، بمؤسسات دستورية ثلاث (تشريعية وتنفيذية وقضائية) ومؤسسات إدارية وأمنية مركزية، موزّعة بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين ونسبياً بين طوائف الديانتين، كما هو الحال في النظام المركزي القائم. على أن يتمّ تكوين السلطة المشترعة – الام فيها، وفق قانون إنتخابي بدوائر انتخابية صغرى (فردية او متعدّدة) على النظام الأكثري.
ب/٢- وسلطات لامركزية، غير طائفية التكوين، في المقاطعات او المحافظات او الأقاليم (cantons ou provinces ou communes)، تتألف من حاكم لكل مقاطعة او محافظة او إقليم مُنتخب من الشعب، ومجلس تمثيلي مُنتخب أيضاً من الشعب، ومجلس محافظة معيّن من الحاكم ومفوّض بالسلطة التنفيذية من المجلس التمثيلي الذي يمنحها تلك السلطة او يحجبها عنها. فيتولون، ضمن ذاتية صلاحياتهم، إدارة شؤون المقاطعة او المحافظة او الاقليم، أي السلطة اللامركزية، مع أوسع الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية والإدارية والأمنية.
ج- بحيث يشكّل أيّ من النظامين المقترحين ضمانةً للتعددية الطائفية ومراعاةً للذاتية الثقافية والمجتمعية.
فلا ينطوي على أي إفتئات او غلبة من طائفة على أخرى او انتقاص من مكانتها الدستورية او السياسية. إذ يكون قد تلاشى مصدر الصراع على السلطة الذي أرّق الحياة العامة
في لبنان منذ تكوينه.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها