فرنسوا ضاهر

الأربعاء ٢٥ آذار ٢٠٢٦ - 08:41

المصدر: صوت لبنان

في مسألة الفصل بدعوى المطالبة بالوديعة المصرفية بالعملة الأجنبية

 

إن مسألة الفصل بدعوى المطالبة بتسديد الوديعة المصرفية بالعملة الأجنبية تثير بلبلة في ضوء المنهجية التي يعتمدها القضاء للبت بها، ما إقتضى التوقف عندها ومقاربتها وفق التالي :

ا- في الوقائع:

1- إن تاريخ الوديعة المصرفية بالعملة الأجنبية يعود الى ما قبل 17/10/2019.
2- تخضع تلك الوديعة في الأصل للنظام القانوني العام. أي لشرعة المتعاقدين وقانون الموجبات والعقود وقانون التجارة البرية وقانون النقد والتسليف.
3- بتاريخ 17/10/2019 إندلعت الأزمة المصرفية على مستوى كل القطاع المصرفي في لبنان.
4- نتيجة إندلاع هذه الأزمة ظهر القطاع المصرفي في حالة شحّ في سيولته.
5- توقّف تسديد الودائع كذلك تحويلها الى الخارج.
6- تدخّل مصرف لبنان لينظّم سداد الودائع وفق سقوف حدّدها تباعاً في التعاميم التي صدرت عنه. وطلب الى المصارف في لبنان الإلتزام بها تحت طائلة الملاحقة أمام الهيئة المصرفية العليا. التي هي هيئة قضائية تنظر في مخالفات المصارف لأحكام قانون النقد والتسليف وتُصدر عقوبات إدارية بحقها، لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية الإدارية او القضائية.
7- عَمدت المصارف الى طرح هذه التعاميم على مودعيها وأخضعت من أراد منهم الى بنودها. كما جَمّدت الودائع التي لم يُرد أصحابها إخضاعها الى تلك التعاميم.
8- وبفعل هذه التعاميم نشأ نظام قانوني جديد أضحت تخضع له الودائع المصرفية في لبنان، الذي هو غير النظام القانوني العام.
9- أما الدولة التي هي المدين الأكبر لمصرف لبنان والمصارف فقد أعلنت في آذار 2020 توقّفها عن دفع ديونها (default) أي رفضها سدادها لأصحابها.
10- الأمر الذي جعل المصارف في حالة شحّ مستدام في سيولتها. فاقتضى ترتيب توزيع ما تبقّى لها من سيولة، في صناديقها وفي حساباتها لدى المصارف المراسلة ومصرف لبنان، على المودعين لديها.
11- بحيث إضطر مصرف لبنان الى الإستمرار في إصدار التعاميم التي تنظّم توزيع ما تبقّى من سيولة لديه للمصارف العاملة وذلك حتى توزّعها بدورها بالتساوي وبعدلٍ على المودعين لديها.
12- نتيجة ما تقدّم، أضحت الودائع المصرفية خاضعةً واقعاً لنظام قانوني إنتقالي وضعه مصرف لبنان بالتعاميم التي أصدرها، وفرض على المصارف تطبيقها في تعاملها مع عملائها، في حال أراد هؤلاء العملاء الإستفادة من ودائعهم، أي تسييل ما أمكن من قيمتها الإسمية.
13- مؤخراً، بادرت الدولة الى وضع مشروع قانون يُخضع الودائع المصرفية المتكوّنة قبل 17/10/2019 الى نظام قانوني محدث (sui generis). بحيث يُخرجها من النظام القانوني العام الذي كانت تخضع له في الأساس، كذلك من النظام القانوني الإنتقالي الذي إبتدعه مصرف لبنان إثر إندلاع الأزمة المصرفية.

ب- في القانون:

السؤال المطروح على القضاء : كيف يمكن القضاء الفصل بدعوى المودع التي يطالب بموجبها مصرفه تسديده وديعته المصرفية بالعملة الأجنبية ؟

ب/1- ذهب القضاء وهو مستقر في ذهابه هذا، في هذه المرحلة، الى الحكم بإلزام المصرف بتسديد مودعه كامل وديعته المصرفية نقداً او بتحويلها له الى الخارج، وذلك تبعاً لإخضاعها لأحكام النظام القانوني العام الذي تخضع له أساساً.

فأسقط لغاية الوصول الى هذه النتيجة :

– مفعول التعاميم التي أصدرها مصرف لبنان بحجة عدم إلزاميتها له. لكونها من فئة القرارات الإدارية (كذا) التي لها مرتبة تدنو مرتبة القواعد القانونية الوضعية، او إنه إعتبرها، في أحسن الأحوال، بمثابة عقد اتفاق فرعي ملزم للمودع الذي ارتضاها وذلك الى حدّ سقف الأموال التي تشملها.

– كذلك مفعول القوة القاهرة (243 و 341 الى 343 م.ع.) التي تُجيز للمصارف إجراء تعديل في إلتزاماتها بتسديد ودائع المودعين لديها (307 ق.ت. و 123 ق.ن.ت.). بحجة أن المصارف أخطأت في توظيف أموالها، وخالفت أحكام قانون النقد والتسليف، ما يجعلها مسؤولة عن حالة الشحّ في السيولة التي وقعت فيها. علماً أن الفصل بهذه المسألة يقع ضمن الاختصاص الوظيفي المطلق للهيئة المصرفية العليا ويخرج قطعاً عن صلاحية القضاء العدلي.

– كذلك أيضاً مفعول القوة الإبرائية للشك المصرفي الذي يُصدره المصرف الوديع لمصلحة عميله على حسابه لدى مصرف لبنان. بحجة أنه لم يعد يشكّل وسيلة إيفاء نقدية آنية وكاملة للوديعة المصرفية. في حين، أن هذا الأمر مردّه ليس الى النقص في المؤونة التي تكون متوافرة دفتريّاً او إسميّاً عند إصدار المصرف المسحوب عليه شيكاً مصرفياً على حسابه لدى مصرف لبنان بل الى الشحّ في السيولة لدى مصرف لبنان بالذات والتي تعود لتلك المؤونة. ذلك الشحّ الذي أحدثته السلطة (fait du prince) بفعل تمنّعها عن إيفاء دينها السياديّ الى دائنيها مصرف لبنان والمصارف.

بحيث تمّت معالجة الوديعة المصرفية وكأنها حالة خاصة (cas particulier) بين المودع ومصرفه، فطُبقت عليها أحكام القانون العام للفصل بها. في حين أنها (أي الوديعة المصرفية) حالة عامة وشمولية (situation généralisée) تناولت علاقة القطاع المصرفي بمودعيه على مجمل الأراضي اللبنانية. بحيث لم يعد من الجائز إستخراج الحلول من أحكام القانون العام المعدّ لرعاية الحالات الخاصة وليس لرعاية الحالة أو الوضعية الشمولية التي تتناول كامل القطاع المصرفي مع مودعيه.

ب/2- غير أن هذا المنحى الإجتهادي يتجاوز كل المعطيات (السرديّة) التي أُخضعت لها الوديعة المصرفية بعد 17/10/2019. ويؤدّي الى تمييز ومفاضلة المودع الذي يقاضي مصرفه فيُحكم له بكامل وديعته نقداً وذلك على حساب المودع الاخر الذي لا قدرة له على السير بتلك المداعاة. كما وإنه يضرب قاعدة المساواة بين المودعين، الأمر الذي نهى عنه قانون العقوبات (690 و 699 ق.ع.) كذلك قانون التجارة اللبناني (594 ق.ت.). وهو يتجاهل حالة القوة القاهرة التي وُضِعَت فيها المصارف، نتيجة قرار السلطة المفاجئ وغير المرتقب وغير المتوقع بالتمنّع عن سداد مديونيتها لمصرف لبنان والمصارف. الأمر الذي ثبّتها في حالة شحّ مستدام في سيولتها فتعذّر عليها ردّ ودائع المودعين لديها.

ب/3- من هنا، بات يتعيّن على القضاء أن لا يتجاهل النظام القانوني الإنتقالي الذي أُخضعت له الوديعة المصرفية بعد 17/10/2019. لأنه يوفّر توزيع السيولة المتبقية للمصارف لدى مصرف لبنان على المودعين لديها، بعدالة وبالتساوي في ما بينهم، دونما أي تمييز او مفاضلة بين مودع وآخر. وذلك وفق ما تقتضيه أحكام قانون العقوبات وقانون التجارة اللبناني، التي تمنع المدين المتعسّر (المصرف الوديع) أو المفلس من أن يفاضل أحد دائنيه على الآخرين أو أن يتصرّف بأمواله على نحو يضرّ بحقوق سائر دائنيه. كما تمنع القضاء، على ذات القدر، من أن يكرّس بأحكامه ذلك التمايز او تلك المفاضلة.

وإلاّ، عاد له، على سبيل الاحتياط، أن يعلّق السير بالمحاكمة، الى حين صدور التشريع الجديد الذي يرمي الى إخضاع الوديعة المصرفية المتكوّنة قبل 17/10/2019 الى نظام قانوني جديد خاص بها.

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها