ديانا خداج

الأربعاء ٤ آذار ٢٠٢٦ - 14:03

المصدر: صوت لبنان

كرامة الناس تُستنزف على طرقات لبنان

 

من جديد، قرّر حزب الله أن يجرّ لبنان إلى حرب مع إسرائيل، حرب لم يطلبها اللبنانيون، ولم تكن أولوية بلد يرزح تحت أثقل انهيار اقتصادي في تاريخه. بلد بالكاد يستطيع تأمين كهرباء ودواء ورغيف خبز، وُضع مرة جديدة في قلب مواجهة عسكرية مفتوحة، وكأنّ معاناة شعبه لا تكفي.

لكن الأخطر من الحرب نفسها، هو الثمن الذي يدفعه الناس. آلاف العائلات، ومعظمها من البيئة الشيعية التي شكّلت تاريخياً الحاضنة الأساسية للحزب، نزلت إلى الطرقات، نساء وأطفال وشيوخ افترشوا المدارس والسيارات وأرصفة المدن. مشاهد النزوح لم تعد أرقاماً في نشرات الأخبار، بل صارت وجعاً يومياً وإذلالاً صامتاً.

أيّ انتصار هذا الذي يُقاس بعدد الصواريخ، فيما أبناء القرى يُهانون على الحواجز، ويتنقّلون بين المناطق بحثاً عن مأوى؟ أيّ معادلة ردع هذه التي تنتهي بأناس فقدوا بيوتهم وأرزاقهم وكرامتهم؟

لطالما رُفعت شعارات “نحن منتصرون” بعد كل جولة، لكن الانتصار الحقيقي لا يكون عندما يصمد السلاح فقط، بل عندما يصمد الناس في أرضهم، لا يكون عندما تُرفع الرايات، بل عندما تبقى البيوت عامرة وأصحابها فيها. اليوم، الواقع يقول شيئاً مختلفاً تماماً: مجتمع مُرهَق، بيئة حاضنة منهكة، وأهالٍ يدفعون فاتورة قرار المشاركة بحرب الخارج.

المفارقة المؤلمة أنّ الذين يردّدون خطاب القوة هم أنفسهم الذين باتوا يطلبون المساعدة، ويعتمدون على مبادرات فردية وجمعيات لإيواء النازحين. الحزب غائب، والنتيجة واحدة: كرامة الناس تُستنزف على طرقات لبنان.

الحرب قد تُخاض بشعار، لكن الكرامة لا تُختصر بخطاب، وعندما يصبح جمهور الحزب نفسه مشرّداً، خائفاً، مكسوراً، يصبح من حقّه أن يسأل: من انتصر فعلاً؟ ومن الذي يدفع الثمن؟

وهم، في خضمّ ذلك كلّه، يطالبون الدولة بالتدخّل وتحمل المسؤولية وتأمين الدعم والمساعدة، رغم أنّ الدولة نفسها لم تكن صاحبة قرار الحرب ولا الجهة التي اختارت مسارها، فالمفارقة المؤلمة أنّ العبء يُلقى على مؤسساتٍ لم تُستشر في القرار، فيما يُنتظر منها وحدها احتواء نتائجه.

بالمقابل، ثمّة جانب آخر لا يُسلَّط عليه الضوء بما يكفي، لبنانيون لا علاقة لهم بقرار المواجهة ولا بخلفياته، ومع ذلك يتحمّلون نتائجه كاملة، لم يختاروا الحرب، ولم يكونوا طرفاً في قرار إشعالها، لكنهم وجدوا أنفسهم يدفعون ثمنها اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً.

مدنهم وبلداتهم تستقبل موجات نزوح تفوق قدرتها، وبُناهم التحتية المرهَقة أصلاً تتعرّض لمزيد من الضغط، وأعمالهم تتضرّر، ومواردهم تتآكل، فيما يتفاقم القلق من اتساع رقعة التصعيد.
هؤلاء أيضاً يخسرون الاستقرار، وتضيق أمامهم سبل العيش، ويزداد شعورهم بأنهم أُقحموا في معركة لم تكن خيارهم.

الحرب، أياً كان عنوانها، لا تميّز بين اللبنانيين حين تضرب، آثارها تطال الجميع، ونتائجها تُثقِل كاهل وطن بأكمله، حتى أولئك الذين لم يكونوا شركاء في القرار ولا في مساره.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها