محمد موسى

الأربعاء ١٠ أيلول ٢٠٢٥ - 10:34

المصدر: صوت لبنان

كيسنجر وأزمة القادة والقيادة: نتنياهو في ضرب الدوحة القطرية نموذجا”

يطرح هنري كيسنجر في كتابه ‘القيادة’ (2022) خلاصة تجربة تمتد لعقود طويلة في قلب السياسة العالمية. فهو لا يقدّم مجرد دراسة في التاريخ، بل محاولة لفهم جوهر القيادة وما يجعلها عنصراً حاسماً في مصير الأمم. من خلال ستة نماذج كبرى، يعرض كيف استطاع قادة أن يحولوا الهزيمة إلى نهوض، أو الضعف إلى قوة، أو الجمود إلى حراك تاريخي. لكن الأهم أن الكتاب ينتهي إلى سؤال مُلحّ: ماذا يحدث للعالم إذا غابت القيادة الحقيقية؟ وهنا بيت القصيد الفعلي في وصول نتنياهو الى ضرب الدوحة؟!!!! وهنا نسأل ويسأل معنا الكثيرين في العالم ومنهم اهل الحل والعقد في اميركا نفسها ومنهم السناتور جين شاهين: ما الجدوى لليد الطولى التي تضرب لكي تضرب وبلا جدوى…………….

يرى كيسنجر في كتابه أن الإدارة اليومية للأحداث لا تصنع التاريخ. وحدها الرؤية – أي القدرة على تصور مستقبل ممكن وتحريك أمة نحوه – هي ما يميز القائد عن المسؤول العادي. القيادة ليست حسابات آنية فحسب، بل هي مزيج من البصيرة والشجاعة والاستعداد لتحمل ثمن القرارات الكبرى فهل القيادة الصهيونية اليوم لديها البصيرة او الشجاعة للمضي الى السلام؟

على الاطلاق لا وألف لا. إن ما يميز خليط إسرائيل اليوم وربما لم نلاحظه في السابق كما هو اليوم هو خليط من العجرفة المجنونة دون افق، دون رؤية إلا من إرضاء سادية نحو الدم وسرقة الاخر لا تنتهي وربما لن تنتهي قبل ان تجر الجميع الى المستنقع المؤذي والذي يتعزز بفعل الطيش المتمادي لحدود اللا-تركيز حيث يصبح الجميع أعداء واخرها تهديد تركيا الواقعة في صلب حلف شمال الأطلسي، وعليه يريد نتنياهو عدم المحاسبة من أحد ولا حتى السؤال كما يشتهي  في كتابه مكان تحت الشمس والذي يمضي بتطبيق أفكاره الواردة فيه وسياساته، و هنا تتأكد الرؤية الكيسنجيرية عن شح القادة والقيادة والكيان الإسرائيلي نموذجا”.

لقد أورد الداهية كيسنجر في كتابه مجموعة من النماذج الواضحة الرؤية بالرغم من التضحيات والجراح لتبني مستقبلا” ونستعرضهم في عجالة ان وفقنه او لم نوفقه على رأسهم:

كونراد أديناور الذي أعاد بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية عبر سياسة متواضعة ركزت على الثقة الداخلية والاندماج الأوروبي.
شارل ديغول الذي جسّد القيادة البطولية التي استنهضت فرنسا من رماد الهزيمة، رافعاً الكرامة الوطنية كرمز سياسي.
ريتشارد نيكسون الذي اعتمد استراتيجية التوازن، وفتح الباب أمام تحول عالمي عبر الانفتاح على الصين.
أنور السادات: الذي قدّم الشجاعة التحويلية، إذ نقل مصر والعالم العربي من الحرب إلى مسار سلام غير مسبوق.
لي كوان يو: الذي مثّل الواقعية العملية التي بنت دولة من العدم، محولاً سنغافورة الصغيرة إلى قوة اقتصادية.
مارغريت تاتشر: التي أعادت رسم ملامح بريطانيا بإصرار عقائدي لا يلين، مهما كلفها الأمر من جدل داخلي.

من خلال هذه التجارب، يخلص كيسنجر إلى أن التاريخ لا يتحرك وحده. إنه يحتاج إلى من يقرأ اللحظة، ويملك الجرأة ليغيّر مسارها. يقول كيسنجر واوفقه الرأي القادة العظام لم ينتظروا الظروف المثالية، بل صنعوا الظروف عبر قرارات مفصلية أحياناً بدت مغامرة أو مستحيلة وربما هو ما نحتاجه بقوة وسرعة هائلة اليوم. لكن جوهر الكتاب لا يقف عند تمجيد الماضي، بل يحذّر من الحاضر. ففي عالم اليوم، حيث التغير التكنولوجي يفوق سرعة القرار السياسي، وحيث التحديات العالمية مثل المناخ والذكاء الاصطناعي والأوبئة تفرض نفسها، يبدو أن القيادات الحالية تفتقر إلى البصيرة التاريخية ، فغياب القيادة لا يعني فقط بطئاً في الحلول، بل قد يعني انزلاق النظام الدولي إلى فوضى وهذا ما يفعله نتنياهو بتماهي فاضح مع ترامب حيث غدا القانون الدولي اضحوكة في كتاب ممزق و يتمزق كل يوم اخرها في دوحة العرب في قطر، حيث القاعدة تقول ان التكنولوجيا والاقتصاد يتحركان اليوم بلا بوصلة سياسية ووفق المزاج والهوا الذي سيهوي بالجميع الى بئر سحيق من أوكرانيا الى الشرق الأوسط مرورا” بالرسوم الجمركية والسياسيات الفرضية تحت منطق القوة الى الذي بلغ الى الإعلان عن فكرة طرد الناس من ارضهم في غزة؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!

إن أخطر ما قد يواجه القرن الحادي والعشرين ليس فقط النزاعات أو الأزمات الاقتصادية وما اكثرها بسبب حماقة الحمقى تحت مسميات قادة، بل الخطر يكمن في فراغ القيادة أي غياب من يملك القدرة على رؤية أبعد من حدود الانتخابات القادمة أو المصالح الفئوية الضيقة ونتنياهو وامثاله نموذجا” حيا” وصارخا” ومسلسل القتل المستمر في غزة والعدوانالمتنقل بين عواصم العرب واخرها على الدوحة نموذجا” و…..

إن كتاب كيسنجر ليس مجرد سيرة لستة قادة، بل هو دعوة للتفكير في مصير عالم يقف على مفترق طرق. فكما أن أديناور وديغول والسادات وغيرهم غيّروا مسار التاريخ في لحظات حرجة، فإن مستقبل النظام الدولي سيعتمد على وجود قادة قادرين على مواجهة التحديات برؤية وحكمة. أما إذا غابت القيادة، فإننا أمام عالم يتقدم تكنولوجياً، لكنه يفتقر إلى البوصلة التي تمنع انزلاقه إلى الفوضى، ومن ينظر في سلوك القادة في أكثر من بعقة من العالم وفي مقدمتهم الاحتلال الإسرائيلي وسلوكه مع نتنياهو ومعه مجتمع اليمين المتطرف الإسرائيلي والاخذ في التوسع منذ أوسلو الى اليوم لاسيما بعد تدمير عملية التسوية، يدرك تماما” ان الانزلاق في الشرق الأوسط والأدنى بات قريبا” …………… مع رؤية كيسنجر لغياب القادة ليس لنا إلا ان نسأل الله السلامة وان ينجينا من الشرير.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها