play icon pause icon

منى فياض

الأثنين ٢٧ نيسان ٢٠٢٦ - 09:04

المصدر: صوت لبنان

لبنان: حين يصبح الحذاء أو “الصرماية” عقيدة

توسع استخدام الحذاء في لبنان، وارتقى من كونه أداة لحفظ الارجل، وتعبير عن الشتيمة، ليصبح شعاراً ورمزاً.
وهذا ما ظهر بوضوح في المظاهرة الأخيرة، رُفع الحذاء كرمز: يُحمل، يُستعرض، يُزيَّن، بل ويُحوَّل إلى “مزهرية”، في مشهد صادم في دلالته.
لم يعد الحذاء أداة للتعبير فقط، بل صار لغة قائمة بذاتها، لغة لا تقول شيئاً سوى الإذلال، ولا تنتج سوى مزيد من الانحدار.
هذا التحول ليس تفصيلاً. فالحذاء في الثقافة العربية كان يمثّل دائماً أقصى درجات الإهانة. أن يُرمى به، أو يُذكر في سياق سياسي، هو إعلان قطيعة مع الآخر. لكن ما نشهده اليوم يتجاوز ذلك بكثير: لم يعد الحذاء موجهاً إلى الخصم، بل صار موجهاً إلى المجتمع نف.
أن يتحول رمز الإهانة إلى رمز يُحتفى به، فهذا ليس تصعيداً في الخطاب، إنه انقلاب في القيم.، وإنتقال من الشتيمة إلى العقيدة.
في مراحل سابقة، حتى أكثر أشكال الاحتجاج فجاجة بقيت ضمن حدود الانفجارات الشعبية المعتادة. وكانت الشتائم، تعبيراً عن غضب مكبوت أكثر منها برنامجاً سياسياً؛ وبقيت موضع جدل ونقد داخل المجتمع نفسه .
أما اليوم، فنحن أمام شيء جديد، الحذاء لم يعد انفعالاً ، بل أصبح اختياراً واعياً ، استُعمل كأداة ضغط وصار يُعرض كهوية جماعية.
يعدّ هذا تطوراً خطراً: عندما تتحول الإهانة إلى هوية، يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين الاحتجاج والانحطاط.
من الرمز إلى الطقس
ما جرى في تلك المظاهرة – حمل الحذاء العسكري، تزيينه، تحويله إلى “مزهرية”، ليس سلوكاً عفوياً. بات أقرب إلى طقس جماعي:
فيه رمزية
فيه تكرار
وفيه عرض علني
وهذا ما يجعله أخطر. لأن الطقس لا يُمارَس فقط، بل يُكرَّس. ومع التكرار، يتحول إلى ثقافة.
لقد كتبت سابقاً عن الحذاء كرمز ثقافي، كشيء يُقرأ ضمن سياقاته الفنية والتاريخية. لكن ما نشهده اليوم هو سقوط كامل لهذا الرمز:
لم يعد الحذاء موضوعاً للتأويل، بل أداة للإخضاع.
لم يعد يحمل معنى، بل يفرض موقفاً.
إنها ظاهرة أسوأ من الممارسات الجاهلية، وهذا التشبيه ليس قاسياً، إنه واقعي: حتى في الجاهلية، حين كان الناس يعبدون الأصنام، كانوا يفعلون ذلك إيماناً بقداسة ما. أما اليوم، فنحن أمام ظاهرة أكثر انحداراً:
لا قداسة ممكنة لحذاء مهما كانت المبالغة، ولا يمكن للحذا ان يحمل معنى رمزيا عميقا؛ إنه فقط إصرار على الإهانة كفعل مقصود.
إنه نكوص، نعم، لكنه نكوص يخلو من البراءة. لأنه ليس عن جهل، بل عن اختيار واعٍ. وليس اعتقاداً، بل نكاية.
أصبح الحذاء كناية عن سلاح تفكيك، لأنه من غير ممكن فصل هذا المشهد عن السياق الأوسع. حين يتحول الخطاب العام إلى شتائم، والرموز إلى أدوات إذلال، يصبح المجتمع أكثر قابلية للتفكك.
هنا تلتقي المصالح: تستفيد Israel من هذا الانحدار، لأنه يحوّل أي صراع إلى نزاع داخلي، ويستفيد “حزب الله” من بيئة يغيب فيها معنى الدولة، ويعلو فيها منطق القوة والرمز.
لكن الأدهى أن المجتمع نفسه يبدأ بالمشاركة في هذه العملية، من دون أن يدرك أنه يتحول من ضحية إلى شريك.
هذا يعبر تماماً عن: إذا كنت لا تستح، فالفعل ما شئت. اللحظة الأكثر سوريالية ليست في رفع الحذاء، بل في عدم الخجل من رفعه. هذا يعني أن الحاجز الأخلاقي سقط. وحين يسقط هذا الحاجز، لا يبقى شيء يضبط الانحدار.
لم يعد السؤال: لماذا يفعلون ذلك؟
بل: ماذا بقي يمنعهم من الذهاب أبعد؟
الخلاصة
لبنان لا يواجه فقط أزمة سياسية أو عسكرية، بل أزمة أعمق:
أزمة معنى وأزمة قيم.
حين يصبح الحذاء شعاراً، والإهانة ثقافة، والشتيمة لغة، نكون أمام مجتمع يُعاد تشكيله على أساس الانحدار.
وهذا أخطر من أي حرب، لأنه لا يُدمّر الحجر فقط، بل يُفرغ الإنسان من كرامته.
في هذه المرحلة، لا يكفي رفض الخصم، ولا إدانة الفعل.
المطلوب شيء أبسط وأصعب:
رفض تحويل الإذلال إلى هوية. لأن المجتمع الذي يرفع الحذاء شعاراً، لن يجد لاحقاً ما يرفعه… للدفاع عن نفسه.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها