خالد حمادة

الثلاثاء ١٩ كانون الثاني ٢٠٢١ - 14:10

المصدر: اللواء

لبنان من وطن إلى فناء خلفي للإقليم

تتيح إجراءات الإقفال فترة تأمل وتفكير بما آلت إليه حياة اللبنانيين ببعديها الإنساني والوطني بعيداً عن أيّة أفكار مسبقة، حيث أضحى المجهول هو سِمة الحياة أو سِمة الصراع المفروض من أجلها. يأخذنا غياب الأفق الىالتساؤل حول فرص العودة الى المسار الطبيعي للحياة بعد رفع إجراءات الإقفال، وبصورة أوضح حول وجود ما يحفّز اللبنانيين للخروج من منازلهم، وهل تُختصر الحياة في الوطن بتأمين ضرورات البقاء اليومية؟ وهل يعيد رفع الإجراءات الحياة لوطن أشباح تقطع وحشته،من وقت لآخر، أخبار عصابات متنقلة تكمن للمواطنين وربما لعصابات أخرى تنازعها النفوذ على خوّةٍ أو معبرٍغير شرعي، أو جدلٌ بين سياسيين تافهين حول سلطة ضائعة في وطن قيد الزوال، وفي أحسن الأحوال صحوة متأخرة مِنْ بعض مَنْ إعتقد أنه قادر على التقاط الفرصة وخاب ظنه فحاول تبرئة الذات.
لم نكن بحاجة لجائحة كورونا لندرك أننا لسنا في دولة جديرة بالإحترام معنيّة بأمن وأمان مواطنيها، ولكن الجائحة أظهرت كلّ عوراتها، ففجّر صراع البقاء كلّ الغرائز! لسنا بمستوى الإقتداء بالنموذج الأوروبي أو الأميركي الذي يقدّم للمواطنين ما يحتاجونه في منازلهم فيما يستمر القيّمون على الحياة العامة بتحمّل مسؤولياتهم،أو بالنموذج الخليجي الرقمي الذي تجاوز الأزمة وفرض معاييره على المواطنين والمقيمين وقدّم المثال، تواكب ذلك حركة سياسية وإقتصادية وجامعية ناشطة تأقلمت مع قيود الأزمة المستجدّة وساقتها في طريق الزوال. نتأمل النموذج السوداني الذي يشقّ طريقه بعد سقوط نظام البشير مقدّماً نفسه للعالم برؤية إقتصادية وسياسية هادئة،تدرك قدرات الدولة بكلّ موضوعية وتحدد دورها فيما يطارد الجيش السوداني فلول الجيش الأثيوبي التي اعتدت على الأراضي السودانية. ونتأمل كذلك النموذج التونسي الذي يسعى، بالرغم من الجائحة، للإطاحة بطريقة ديمقراطية بالإسلاميين الذين يمسكون بالسلطة محمّلاً إياهم تبِعات الإنهيار الإقتصادي. فأيّ نموذج نرى في لبنان؟ 
لبنان هو وطن اللاشيء هو وطن العدم بل هوالعدم بعينه. هو دولة اللاسلطة واللاقانون واللادستور، هو الوطن الذي جمع في تركيبة عجيبة مساوئ الطوائف والأحزاب والمؤسسات والعائلات والعصبيات والأفخاذ والبطون،وهو بلد سِفاح القُربى في الأمن والقضاء والسياسة والإقتصاد والتحرير. أجل لبنان هو الدولة الفريدة في العالم الذي تعطّل فيه الأكثرية تشكيل الحكومات، وهو البلد الوحيد الذي تريد فيه الأكثرية تعديل النظام السياسي الذي أتى بها،والبلد الوحيد الذي يتشاجر مسؤولوه حول استخدام مساعدات طبية فيما المرضى يموتون على أبواب الطوارئ وفي السيارات،وهو المكان الوحيد الذي تُصرف فيه الهبات الطبية وتدفع مستحقات المستشفيات على أساس طائفي ودون وجه حق، وهو الوطن المسيّب الذي يدفع مصرفه المركزي من احتياطه خدمة لعصابات تهريب لا تتوقف بالرغم من قدرة القوى الأمنية على سحقها، وهو البلد الوحيد الذي تتفجر عاصمته فيما يرتعد قضاؤه وسياسيوه خوفاً من قول الحقيقة، وهو البلد الوحيد الذي تمارس فيه ميليشيات مذهبية سلطانها وتنصّب عليه رئيساً قواته الشرعية. وهو بلد الفائض في الموظفين والدين العام والتهريب والصفقات والإثراء غير المشروع، وهو البلد الذي يحتضن أوسع شريحة من المتشدّقين بالحريات والحوار والسيادة ومكافحة الإرهاب والشفافية ودولة القانون والمؤسسات.
في وسط المثلث السوري الإيراني السوري المتحكّم بلبنان، تتراءى معادلة ثلاثية الأقطاب تستكمل الصورة الجديدة للمنطقة. يحوّل النظام السوري الميليشيات الشيعية المتعدّدة الجنسيات التي يرزح تحت وصايتها الى ورقة تفاوض لاستعادة الإعتراف الدولي والعربي به وفكّ أسره وإنعاش إقتصاده،من ضمن صفقة تقوم على سلام معلن مع إسرائيل والتزام بإخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا ضمانة روسية. هذه الصفقة التي بدأت معالمها ترتسم مع استلام الفيلق الخامس الذي تدعمه روسيا مراكز عسكرية في البوكمال والميادين من «لواء فاطميون» المكوّن من ميليشيلت شيعية أفغانية إستقدمتها طهران،وترافقت مع الجدل الذي أثارته تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عن عزم طهران إعادة هؤلاء المقاتلين الى أفغانستان، ومع ما تولّى صحافيون لبنانيون محسوبون على حزب الله تسويقه، بأنّ على الحزب أن يخرج من مأزقين، الأول مأزق العلاقة مع إيران والتحرر من العلاقة بنظام الولي الفقيه والتحوّل الى حزب لبناني، والثاني مأزق المقاومة واضطلاع الشيعة بدور أكبر من دور البلاد وضرورة الإندماج في استراتيجية دفاعية. 

تتسارع المتغيّرات الإقليمية التي يحدّها السقف الزمني للإستحقاق الرئاسي في سوريا بما لا يتيح متّسعاً من الوقت لتعديل الدستور في لبنان وإرساء معادلة جديدة لتقاسم السلطة وفقاً للأجندة التي راهن عليها سابقاً حزب الله وأخيراً حليفه الوزير جبران باسيل. وفي الوقت عينه يبدو تحوّل حزب الله من جيش للولي الفقيه الى حزب لبناني عسيراً على الإستيعاب داخل الحزب وخارجه نظراً لاستحالة ترشيق المؤسسات الموازية واستيعابها بطريقة إنسيابية دون وسيط خارجي. 
لبنان في وسط المثلث الإيراني الإسرائيلي السوري الذي يتحكّم به مرشحٌ للتحوّل من وطن فقد سيادته الى فناء خلفي للمثلث المذكور، حيث تجمع كلّ المخلّفات الإقليمية وتوكل إدارتها الى عامل نظافة إقليمي.