المصدر: صوت لبنان
لدى الممانعين العقل للزينة… حين يصبح التفكير ترفاً في زمن الخراب
أطل علينا الشيخ نعيم قاسم عشية لقاء السفيرين اللبناني والإسرائيلي، متجاهلاً الوقائع الميدانية التي تفرضها إسرائيل يومياً، وغافلاً عن الجمهور المهجّر والمنتظر على الأرصفة وفي المدارس، بخطاب تحذيري تهديدي، ليعلن القتال حتى آخر نَفَس، رافضاًَ المفاوضات المباشرة.
ليست المشكلة في أن تخطئ، بل في أن تُصرّ على الخطأ بعد أن يُكذّبه الواقع أمامك. وليس أخطر من أن تخسر، إلا أن تُعيد تعريف الخسارة بوصفها انتصاراً.
هذا تماماً حال كل من يحمل قميص المقاومة.
وبعد أن يُعلَن وقفٌ لإطلاق النار من واشنطن بلسان الرئيس ترمب، ونتيجة ضغوط ومسار دبلوماسي واضح قادته الولايات المتحدة، بعد أيام فقط من الخطاب التهديدي الذي حاول تعطيل هذا المسار ومنع حصول اللقاء، نجدهم الآن ينسبون الفضل لإيران!!
يا أخي خلي إيران تنتزع مكاسبها لنفسها أولاً، قبل أن تُقنعنا بأنها تمنحنا مكاسب.
والآن وبعد بدء سريان وقف إطلاق النار، عاد المهجرون رافعين شارات النصر، ومطلقين رصاصهم (الذي قتل امرأة) في الهواء.
ماذا يقال لمثل هذا العقل؟
في مواجهة واقعٍ صارخ، يُعاد إنتاج رواية موازية:
الهدنة لم تأتِ نتيجة موازين القوى ولا المسار الدولي، بل “بضغط إيراني”.
ووقف النار بشروط: وعد باتفاق سلام، وتعهد بكبح نشاط الحزب، والسماح لإسرائيل بمهاجمة أي هدف تراه خطرا، والاعداد لمفاوضات مباشرة خلال العشرة أيام، وإسرائيل محتلة ومتمركزة في 500 كلم2 ، وهو انتصار. هنا يتجسد المثل القائل: “عنزة ولو طارت”. لكن العنزة اليوم لم تعد تطير وحدها، بل يطير معها العقل لأنهم استوطنوا في ميدان اللاعقل.
في التراث العربي، يقال: “العقل زينة”، كتعبير عن مركزية العقل في تعريف الإنسان. العقل هو ما “يعقل” صاحبه، أي يمنعه من التورط في المهالك، ويحبسه عن الهوى والانفعال، وأداة تمييز بين الرشد والطيش.
لكن ما نشهده حالياً في ممارسات الحزب السياسية وجمهوره، تتكشف عن معنى معاكساً تماماً: العقل ليس أداة للاستعمال، بل قطعة للعرض. يُحتفظ به للزينة، ويعلّق جانباً عندما تحين لحظة القرار. نحن أمام حالة ذهنية مغلقة: فالخطاب العقائدي لا يقيس النتائج، بل يثبّت الموقف.
لا يسأل: ماذا نخسر؟ بل يكرر: ماذا يجب أن نؤمن به.
ففي لحظة تتقدّم فيها إسرائيل ميدانياً، وتفرض وقائع جديدة على الأرض، يخرج خطاب “الانتصار” و”الصمود حتى آخر نفس” وكأن ميزان القوى تفصيل ثانوي. ويصبح إطلاق بضعة صواريخ-على أهميته الرمزية- دليلاً كافياً على “التفوق”، بينما الواقع يقول شيئاً آخر تماماً.
هنا لا يعود السؤال سياسياً فقط، بل يصبح سؤالاً معرفياً: كيف يمكن ُإقصاء العقل عن القرار؟ وكيف يتحوّل العمل على حفظ الأرواح ومنع احتلال المزيد، إلى تهمة، ويُمجَّد الإنكار؟
ليس المطلوب فهم ما جرى، بل حماية ما يجب أن يُعتقد.
وهنا تبدأ المأساة.
في واقعنا السياسي اليوم، يُستدعى العقل في الخطاب، ويُقصى في الفعل. تُرفع شعارات “الحكمة” و”الصبر الاستراتيجي”، بينما تُتخذ قرارات مصيرية بمنطق عقائدي مغلق، لا يعترف بميزان القوى، ولا يحسب كلفة الدم، ولا يرى الواقع إلا من خلال ما يريد أن يراه.
لقد قدّم فوكو قراءته للعقل – اللاعقل في كتابه تاريخ الجنون: فالجنون ليس غياب العقل، بل نظامٌ بديل يُعيد تعريف الواقع وفق منطقه الخاص. يصبح اللاعقل عقلاً مكتفياً بذاته، لا يحتاج إلى تصحيح، ولا يقبل النقد، لأنه مؤمن بأنه يمتلك الحقيقة المطلقة.
هذا ما تفعله العقائد حين تتحول إلى منظومات مغلقة:
لا تعود السياسة فن الممكن، بل تصبح طقساً إيمانياً.
لا يعود القرار مسؤولية، بل إثبات ولاء.
ولا يعود الإنسان غاية، بل وسيلة. من يسأل: هل هذا القرار منطقي؟ يُتَّهم بالضعف.
من يقارن: ماذا نربح وماذا نخسر؟ يُتَّهم بالخيانة.
من يطالب بالبراغماتية يُدان أخلاقياً، لأن الأخلاق نفسها أُعيد تعريفها خارج العقل.
هنا نبلغ الذروة:
حين يُصبح اللاعقل فضيلة، والعقل ترفاً.
العقل ليس زينة. العقل مسؤولية.
وكل خطابٍ لا يُحاسَب بالعقل، ليس موقفاً… بل هروبٌ منه.
على كل حال، الكرة الآن في الملعب اللبناني، فإذا فشل لبنان من الاستفادة من وقف إطلاق النار هذا، للقيام بما هو مطلوب منه تجاه سلاح الحزب، فسيتحمل نتائج وخيمة.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها