المصدر: independent عربية
لغز الصاروخ الأول من لبنان… “حزب الله” أم “الحرس الثوري”؟
لا يقف لبنان فقط في صلب الحرب المفتوحة بين “حزب الله” وإسرائيل، إنما في قلب الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط وسؤال محوري خطر: من يملك مفتاح الجبهة؟ وما هو دور “الحرس الثوري” الإيراني؟ فالأحداث المتلاحقة من التحذير الإسرائيلي الذي يطلب من الممثلين الإيرانيين مغادرة لبنان، إلى قرار حكومي لبناني بالتحقق من وجود عناصر من “الحرس الثوري” وتوقيفهم وترحيلهم، وصولاً إلى إعادة فرض التأشيرة على الإيرانيين، كلها دلائل على دور أساس لـ”الحرس الثوري” الإيراني في الصراع الدائر على الأراضي اللبنانية.
ووفق تقارير استخبارية غربية، فإن دور “الحرس الثوري” و”فيلق القدس” ليس فقط راعياً لـ”حزب الله”، بل بات منذ مقتل الأمين العام السابق حسن نصر الله أقرب إلى وصي مباشر وصاحب قرار ميداني وأمني. وتؤكد المعطيات أن شبكة الأنفاق والمنشآت تحت الأرض التي توصف بأنها مدن عسكرية، وكذلك مراكز قيادة في الضاحية الجنوبية لبيروت، تدار بصورة مباشرة من خبراء ومستشارين إيرانيين بصفات متعددة، بعضها ديني وبعضها دبلوماسي وبعضها لوجستي.
وتشير المعلومات إلى أن الوجود الإيراني في صلب التحرك العسكري للحزب ليس جديداً، والدليل مصرع عدد من الإيرانيين إلى جانب قيادات “حزب الله” في الحرب السابقة، ومنهم مع كل من رئيس أركان الحزب فؤاد شكر، وكذلك مع الأمينين العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، إلا أن المتغير أن الدور الإيراني كان تنسيقياً بين الحزب و”فيلق القدس”، أما الآن فإن “الحرس الثوري” هو من أعاد ترميم القيادة الجديدة للحزب ويشرف مباشرة ويقرر التحركات العسكرية، ويتولى أيضاً إدارة المنشآت اللوجستية والعسكرية.
وحول قرار فتح الجبهة مع إسرائيل، يشير بعض الأوساط في الحكومة اللبنانية إلى أن القرار هو إيراني، وكان بهدف تشتيت الجهد الإسرائيلي وتخفيف الضغط عن طهران، مشيرة إلى أن هذا ما يكشف عن إعادة توزيع الصلاحيات وتفكيك مفاصل النفوذ إلى إعادة هيكلة سياسية تحت قيادة الأمين العام للحزب نعيم قاسم، وإعادة هيكلة أمنية عسكرية تتم بإشراف “الحرس الثوري”.
حضور إيراني عسكري
في السياق، تشير معطيات أمنية إلى أن العلاقة بين “الحرس الثوري” الإيراني و”حزب الله” لم تعد تقتصر على الدعم العسكري التقليدي الذي بدأ منذ تأسيس الحزب في ثمانينيات القرن الماضي، بل تطورت خلال المرحلة الأخيرة إلى شبكة حضور أكثر تعقيداً داخل لبنان.
وبحسب تقديرات أمنية، فإن بعض عناصر “الحرس الثوري” يدخل إلى لبنان تحت غطاء ديني أو ثقافي أو عبر مؤسسات دينية وتعليمية ترتبط تاريخياً ببيئة الحزب. ويعتقد أن هذه المسارات استخدمت في بعض الحالات لتسهيل حركة عناصر مرتبطة بـ”فيلق القدس” داخل الأراضي اللبنانية. وإلى جانب ذلك، تتحدث معطيات عن بقاء ممرات سرية أو قنوات حركة لا تمر بالمسارات التقليدية التي تخضع لرقابة صارمة، مما يفتح الباب على أسئلة تتعلق بقدرة الدولة على الإحاطة الكاملة بما يجري على المعابر وفي الداخل.
وفي بعض الحالات، تشير المعلومات إلى احتمال استخدام جوازات سفر لبنانية صادرة بطرق غير شرعية لتسهيل حركة بعض هؤلاء، وقد سبق أن فتح تحقيق في لبنان في شبهات حول جوازات مزورة، لكن يبقى السؤال: هل نحن أمام حالات محدودة أم أمام شبكة أوسع؟ وهل يتعلق الأمر بتزوير تقني أم بانتحال صفة أشخاص لبنانيين، بعضهم ربما متوفون، بما يسمح بالدخول إلى الداخل بصفة لبناني؟
وترى مصادر أمنية أن النفوذ الذي تمتع به “حزب الله” داخل مؤسسات الدولة القضائية والأمنية والإدارية، سواء بصورة مباشرة أو عبر حلفائه أو أشخاص مندسين، خلال سنوات طويلة قد أتاح هامش حركة واسعاً لشبكات مرتبطة به، مما يجعل مسألة تحديد حجم الحضور الإيراني الفعلي داخل لبنان مسألة معقدة للغاية، خصوصاً في ظل التداخل بين العمل العسكري والغطاء المدني والدبلوماسي.
مهمات دولية
في سياق آخر، ما يعزز فرضية دور “الحرس الثوري” الإيراني في قرار “حزب الله”، هو الأدوار التي كثيراً ما لعبها الحزب في العمليات العسكرية خارج الحدود اللبنانية، وهي تأتي في السياق الاستراتيجي للأجندة الإيرانية. فـ”حزب الله” لم يكن في نظر إيران مجرد فصيل لبناني، بل “الفيلق العربي” الأكثر خبرة ضمن منظومة “الحرس الثوري” وهو ما يفسر دوره في التدريب والدعم لحلفاء إيران في ساحات أخرى مثل اليمن والعراق وسوريا. هذا البعد الإقليمي يستحضر عادة لتفسير سبب تمسك طهران بالحزب كأداة استراتيجية، ولماذا تعتبر أن إضعافه أو تفكيك بنيته ليس خسارة لبنانية فحسب، بل خسارة إيرانية في قلب مشروع النفوذ الإقليمي. في هذا الإطار، تبرز اتهامات متكررة بوجود جناح للحزب أو شبكات مرتبطة به قادرة على العمل خارج الإقليم، في أوروبا وغيرها، ويستحضر تفجير بورغاس في بلغاريا عام 2012 كأحد النماذج التي أدت لاحقاً إلى قرار أوروبي بتصنيف “الجناح العسكري” للحزب على قائمة المنظمات الإرهابية، بعدما تحدثت بلغاريا ومسؤولون أوروبيون عن مؤشرات على ارتباط منفذين بالحزب، في ما توالت تغطيات وتحقيقات دولية في شأنه.
مدن تحت الأرض
لكن البعد الأكثر حساسية في هذا الملف يتعلق بالبنية العسكرية التي أنشأها “حزب الله” خلال العقود الماضية داخل لبنان بإشراف مباشر من “الحرس الثوري” الإيراني. فوفق تقديرات أمنية، يعتمد الحزب شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت العسكرية تحت الأرض، ويصف بعض التقارير هذه المنشآت بأنها أشبه بمدن عسكرية كاملة تحت الأرض تضم غرف قيادة وتحكم ومراكز اتصالات ومخازن أسلحة ومرافق لوجستية وممرات تنقل داخلية تسمح بالحركة بعيداً من أعين الطائرات وأجهزة الاستطلاع.
ووفق تقارير أمنية فإن الـ”شبكة تحت أرضية” باتت كلها تحت إشراف مستشارين من “الحرس الثوري” الإيراني، وهم موجودون فيها ويديرون العمليات من خلالها، وقد أنشئت لتكون عنصراً حاسماً في مفهوم الاستمرارية العملياتية تحت القصف: بنية تسمح بإخفاء القيادة والسيطرة، وحماية المخزون، وإعادة التموضع داخلياً، والاحتفاظ بقدرة إطلاق أو نقل أو تخزين من دون الحاجة إلى الحركة العلنية.
وقد ظهرت خلال الأعوام الأخيرة تقارير إعلامية غربية تتحدث عن اتساع فكرة الأنفاق في لبنان، بما في ذلك كلام عن امتدادها في مناطق جنوبية، ولفتت إلى ربطها بمراكز القيادة والسيطرة في الضاحية الجنوبية لبيروت وبمسارات قريبة من الحدود السورية لتسهيل نقل العتاد.
وتبرز الضاحية الجنوبية بوصفها أحد أبرز مراكز القيادة والسيطرة للحزب، إذ تشير تقديرات أمنية إلى وجود منشآت عسكرية تحت الأرض تستخدم لإدارة العمليات العسكرية واللوجستية، إضافة إلى شبكات اتصال محصنة تربط بين عدد من المواقع العسكرية في الضاحية ومناطق أخرى.
معسكرات في الأعماق
في جنوب لبنان، وقرب منطقة جزين – كفرحونة، يبرز معسكر عسكري تعتبره المعطيات من المواقع الاستراتيجية للحزب. ويعود تاريخ هذا الموقع لمراحل سابقة من الصراع في الجنوب، إذ استخدمته التنظيمات الفلسطينية خلال سنوات الحرب الأهلية، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى ما كان يعرف بـ”جيش لبنان الجنوبي” خلال فترة الوجود الإسرائيلي في الجنوب.
وبعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، أعاد “حزب الله” بناء هذا الموقع وتوسيعه بصورة كبيرة، ليصبح معسكراً واسع النطاق. ويشير بعض المعطيات إلى أن هذا الموقع قد يضم مرافق عسكرية كبيرة وربما منشآت تحت الأرض، إضافة إلى بنية لوجستية متقدمة قد تشمل مهبطاً للطائرات أو مرافق تشبه القاعدة الجوية.
وغير بعيد من جزين، يبرز جبل الريحان كأحد المواقع التي يعتقد أنها تضم شبكة أنفاق عسكرية واسعة تحت الأرض. وتشير تقديرات أمنية إلى أن هذه الأنفاق قد تستخدم كمراكز قيادة أو مواقع تحصين لقيادات عسكرية في الحزب، خصوصاً في حالات التصعيد العسكري.
أما على امتداد سلسلة جبال لبنان الشرقية المتاخمة للحدود السورية، فتشير معطيات أمنية إلى وجود منشآت عسكرية ضخمة داخل الجبال تستخدم كمراكز تخزين سلاح وممرات لوجستية. وتكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة، لأنها تشكل صلة وصل بين لبنان وسوريا، ويعتقد أنها تستخدم كمسرح تحرك لوحدات أساسية في “حزب الله”.
كما تشير تقديرات نشرها معهد “ألما” الإسرائيلي إلى أن عناصر من “الحرس الثوري” الإيراني قد يكون لهم دور في متابعة بعض الأنشطة العسكرية في هذه المنطقة. وفي مقاربات إسرائيلية بحثية، يشار إلى أن مشاريع الأنفاق، بحسب كلامهم، شهدت “إشرافاً إيرانياً” أو مشاركة خبرات خارجية في تطويرها.
حضور دبلوماسي ولوجستي
ولا يقتصر الوجود الإيراني المحتمل في لبنان على الجانب العسكري فقط، إذ تشير معطيات إلى وجود إيرانيين في لبنان بصفة دبلوماسيين أو موظفين لوجستيين أو عاملين في مؤسسات ثقافية ودينية. وبحسب هذه المعطيات، يقيم بعض هؤلاء في منازل خاصة داخل لبنان، وبعضهم متزوج من لبنانيات، بينما يقيم آخرون في فنادق أو شقق مستأجرة. وتزداد حساسية هذه النقطة تحديداً عندما يلتقي ذلك مع قرار الحكومة اللبنانية الذي شدد على “أي صفة أو غطاء”، بما يوحي أن الدولة تتعامل مع فرضية أن بعض الأنشطة قد تجري تحت مظلات غير عسكرية.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه المعطيات باعتبارها مؤشراً إلى أن البنية العسكرية للحزب، وبالتالي حضور الداعمين، لا تزال قائمة وتستحق ضربة “غير قابلة للإصلاح”، وفق تعبير مراكز دراسات إسرائيلية.
وتشير تقديرات إلى أن إسرائيل تخطط لتنفيذ هجمات واسعة النطاق تستهدف مستودعات الأسلحة ومواقع تصنيع الصواريخ ومخازنها في الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان والبقاع، بهدف إلحاق أضرار لا يمكن إصلاحها بالحزب.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها