خالد حمادة

الثلاثاء ٩ شباط ٢٠٢١ - 13:41

المصدر: اللواء

لقمان سليم الدلالات والدروس المستفادة

لقمان سليم…شهيد مشروع الدولة المدنيّة الحرّة السيدة في لبنان، شاء من شاء وأبى من أبى …وقاتِلوه، مجرمون احترفوا لعبة الدم ولو طوّقتهم كلّ أكاليل الغار المزعومة، ولن يتوقفوا…ومصطلح « عدم استباق نتائج التحقيق» الذي ألِفه اللبنانيون، لا يعبّر سوى عن مأزق الأجهزة المعنيّة في الوصول إلى الحقيقة غير المتاحة، حتى ولو «كاد المريب أن يقول خذوني.»…لن تقوى كلّ الكلمات التي كُتبت أو ستُكتب أن تسمو على المعاني والقيم التي تجسدها شهادة الأحرار من أجل إعادة الحياة لوطن جدير بالحياة، كما إنها لن تستطيع توصيف بشاعة وحقد وبربرية الجريمة ومرتكبيها.الجريمة لن تغيّر في معادلة سياسية قائمة يشكّل لقمان ورفاقه فريقها الأضعف، وهي لن تؤدي إلى ردود فعل عنفيّة، فرفاق الشهيد لقمان قد غادروا عصبياتهم البدئيّة منذ دهر لصالح إنتمائهم للوطن، وعائلته لم تتوسّل يوماً سوى العقل في خياراتها السياسية والإجتماعية، وليس بين أفرادها من حمل يوماً سلاحاً غير شرعي. الجريمة هي فشل جديد للدولة، يضاف الى أكداس فشلٍ متراكمةٍ في اقتصادٍ يُنهب وأمنٍ يُستباح وقضاءٍ يرتعد، وسياسة تؤكّد بداوتها ومذهبيتها وخنوعها مع كل شروق شمس. والجريمة بظروفها وبما سبقها من تهديد وبطريقة التعامل مع مسرحها، وبملفاتها التي ستنضم إلى مثيلاتها في الأدراج، ليست سوى إهالة لمزيد من التراب على جثمان الدولة المُسجّى في كلّ مواقع فشلها على امتداد الوطن، من مرفأ العاصمة بيروت ومطارها وحدود الوطن السائبة إلى كلّ الساحات.لقد احتفظت الثورة في لبنان بالرغم من كلّ العنف والإعتداءات عليها، والتوقيفات في صفوف الناشطين بنقطتيّ قوة، أولهما استمرار قادة الرأي والمنابر الإعلامية الحرّة ووسائل التواصل الإجتماعي في تعبئة المجتمع المدني، وتنامي التواصل العابر للمناطق بين مجموعات الثورة، وتعميم وعي وطني مدرك لمواطن الفساد في قطاعات الطاقة والسدود والتلزيمات وتهريب السلع المدعومة والتقصير القضائي في ملف تفجير مرفأ بيروت. وثانيهما الإحتفاظ بحريّة الحركة والقدرة على التظاهر والتعبير في عدد من المناطق الخارجة عن تسلّط قوى الأمر الواقع وقدرتها على السيطرة. منذ أكثر من أسبوع أتى الرد على إحدى نقطتيّ القوة، حين رعت الدولة عينها جريمة أمنية بحق مدينة طرابلس. تُركت المدينة لقدرها، وسُلّمت ساحاتها لشذاذ مجرمين أمعنوا فيها حرقاً وتخريباً على امتداد ليلٍ كامل، ليُقتاد بعد ذلك شبانها إلى التحقيق، فيما يتظاهر أهل المدينة لإطلاقهم، ودون أن يسجّل أي اتهام. إحراق طرابلس كان محاولةً لإغراق أحد أجزاء الجغرافيا الوطنية المعارضة المتبقيّة في اقتتال داخلي يدخلها إلى دائرة الهيمنة، ويعطّل حضورها الوطني، وهو لن يكون الأخير في طرابلس وسواها. واغتيال لقمان سليم هو إعلان مرحلة إخماد الوعي الوطني المستجدّ وإرهاب الرأي المعارض المتمسّك بالدستور نصّاً وروحاً وتطبيق القانون والتزام الشرعيتيّن العربية والدولية، وهو إنطلاق إحدى جولات السيطرة على نقطة القوة الثانية، تمهيداً لجولات أخرى.في البعد الإقليمي والدولي لأزمة لبنان، يبدو أن ترف الوقت متاحٌ للجميع واستعراض القوة الذي تدفع ثمنه الساحات الملتحقة بطهران لا تحدّه أيّة ضوابط، بل ربما يبشّر بمزيد من الأداء العنفي الذي يمكن توظيفه في معادلة القوة. وعلى المستوى الداخلي تسابق أزمة الحكم المتفجرة، في محاولة رئيس الجمهورية على تثبيت أعراف تتفوّق على الدستور وتجتاح إتّفاق الطائف، الأزمة ضمن فريق قوى السلطة على وقع السقف  الإقليمي المتاح والوقت المتبقّي للعهد. وبين البعديّن الإقليمي والدولي ومستوى الصراع الداخلي تذهب السلطة ومعها الدولة الى مزيد من السقوط في الأداء وربما إلى مزيد من التورّط الأمني. ويصبح الرهان على ضبطه وعلى عدم الإستثمار الإقليمي فيه رهاناً محفوفاً بالمخاطر.لم يخيّل لأيّ كان في لبنان أنّ تدخّل الجيش في منتصف تموز/يوليو من العام 1983 لإخلاء مبنى مدرسة «الأليانس» في وادي أبو جميل في وسط بيروت من بعض المهجرين، سيستدرج اشتباكات لن تتوقف مع الجيش إلا في 5 آذار/ مارس 1984 عندما أعلنت الحكومة اللبنانية سقوط إتّفاق 17 أيار/ مايو. في لبنان حيث لا يتّسع المجال بين الإقليمي والدولي لشعرة معاويّة يصبح إخلاء مهجرين من مدرسة مهجورة شأناً إقليمياً.فهل من دروس مستفادة، وهل تنفع الذكرى…..؟

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها