الثلاثاء ٢٤ تشرين الثاني ٢٠٢٠ - 08:45

المصدر: اللواء

نهاية الإمارة اللبنانية وقلق الوالي

بدا لبنان في الذكرى السابعة والسبعين للإستقلال أكثر تحللاً من أي لبنان عرفناه من قبل، حتى إبان الحروب الداخلية وفي ظلّ الميليشيات والإدارات الحزبية. أضحى من العسير تلمّس معالم الدولة أو الإستشعار أنّ هناك ما يوحي بوجود كيان سياسي قابل للحياة. زال كل شيء أو كاد ، لا سيادة ولا حكومة أو سلطة تشريعية، لا قضاء ولا إقتصاد ولا أمن إجتماعي. بل سلطة هائمة على وجهها بعد أن استباحت كل شيء، تقاتل طواحين الهواء ولا تجد من تعلن الإنتصار عليه. إختار خصومها الإنكفاء بذلك لتمرير اللحظة الراهنة وربما لصالح لعبة دولية لم تتضح معالمها بعد.
تعكس كلمة رئيس الجمهورية ميشال عون في الذكرى السابعة والسبعين للإستقلال، الإصرار على الإشتباك وإلقاء مسؤولية الفشل الفاضح على فريق سياسي غير واضح المعالم أو يتعذّر تسميته، لأن الإشارة إليه كفيلة ببعثرة التحالفات وهي بمثابة إطلاق النار على الذات. كل العناوين التي أطلقها رئيس الجمهورية تؤكد حالة الإنفصام التي بلغتها السلطة المثقلة بأعباء تقاسم المغانم مع الحلفاء وبصعوبة الإلتفاف عليهم والتنصل من تبعات شراكتهم.
لا ندري إلى من وجه رئيس الجمهورية الدعوة لإقرار التشريعات اللازمة للإصلاح والمحاسبة والإنتظام المالي واستعادة الأموال المنهوبة والمحكمةُ الخاصة بالجرائم الماليّة، وهو القابض مع حلفائه على كلّ الأكثريات في المجلس النيابي والحكومة، وهو الممتنع عن توقيع أي تعيينات في القضاء وسواه، إلا بما يحقق السيِطرة لفريقه السياسي على كلّ مفاصل الإدارة. أو على من يلقي اللوم لتحرير مؤسسات الدولة من نفوذ السياسيين والمرجعيات أو لتحرير عملية تأليف الحكومة من التجاذبات ومن الإستقواء، أليس هو القابض على تسمية الوزراء والمتحالف مع المتمسكين يتطييف الوزارات؟
متغيّران إثنان يجعلان الموقف مختلفاً في الأزمة الحالية، الأول هو التحوّل من مواجهة بين فريقين محليين تحت أنظار ورعاية القوى الخارجية إلى مواجهة فريق محلي مع الخارج، وعدم القدرة على تقييم سقف الموقف الدولي. أما المتغيّر الثاني فهو عدم إمكانية تبلوّر فريق داخلي من حواضر البيت السياسي اللبناني، يمثّل البديل عن السلطة القائمة أو على الأقل الشريك الجدي لها، مما يعني عدم العودة إلى قواعد اللعبة المعروفة.  تكمن المهمة الأصعب حيال الأزمة الحالية في احتفاظ الرابح بمكاسبه، وهذا ما يقلق فريق رئيس الجمهورية وحزب الله على السواء.
دعوة رئيس الجمهورية إلى إطلاق حوار وطني لبحث المتغيّرات السياسية والأمنية والدفاعية، ليست سوى تلطي وراء مشهد ظاهره سياسي وطني، وحقيقته إمعان في الهروب إلى الأمام وتبريراً للعجز في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات شريحة وازنة من الشباب اللبناني والنقابات المنتخبة تطالب بإجراء إنتخابات نيابية ويتقدم ثمانية نواب باستقالاتهم احتجاجاً على الفضائح والإرتكابات في الوزارات كافة. من يحاور الرئيس وما قيمة الدعوة للحوار بعد أن وقّع بالأمس عدد كبير من ممثّلي العائلات الروحية ونقابات المهن الحرة والجامعات اللبنانية وعدد من الجبهات المنضوية في ثورة 17 تشرين والفاعليات الإقتصادية والهيئات العمالية «المبادرة الإنقاذية الوطنية» بعنوان «معاً نسترد الدولة». وقد تضمّنت إقرار قانون إنتخابي خارج القيد الطائفي وإجراء إنتخابات نيابية وإنتخابات لمجلس الشيوخ وتشكيل حكومة في مسار إعادة تشكيل السلطة الوطنية.
تعبّر الثغرات الفاضحة في جسد الجمهورية اللبنانية القائمة استحالة ترميم النسخة المتداولة، وتمثّل الرئاسة الحالية النموذج الأخير للإمارة الشهابية في لبنان، التي عرفت أوج تسلّطها في عهد بشير الشهابي الثاني، واستمرت بعد ذلك بأساليب مختلفة بالرغم من إعلان دولة لبنان الكبير، إمارة وراثية ذات بنية إقطاعية راسخة يعرف كلّ إنسان مكانه في ترتيبها الهرمي، كما وصفها ناصيف اليازجي.
لم يتح الإحتلال السوري للدولة المدنية أن تسلك طريقها في لبنان بعد إتّفاق الطائف، فاستعادت ذهنية الإمارة أَلقها بصيغ متعدّدة. لم تختلف المحاصصات التي عرفتها الإدارة اللبنانية منذ ذلك الحين عن أسلوب توزيع النواحي الإدارية أو المقاطعات، في عهد الإمارة، على أُسَرٍ مختلفة بهدف اختراق الطوائف الأخرى، وكان هؤلاء يحافظون على الأمن ويجمعون الضرائب ويجلسون في حضرة الأمير بحسب مراتبهم. الفارق الوحيد أنّ الإمارة الشهابية حينها كانت تتبع لوالي عكا ثم أصبحت في نسخها المعاصرة تابعة لوالي الشام منذ العام 1976 ومن بعده لوالي طهران بعد العام 2005.
وفيما تستعد الثورة اللبنانية لتوسيع دائرة حضورها عبر مبادرات عديدة لن تكون آخرها المبادرة الإنقاذية الوطنية، وإطلاق أوسع أئتلاف مدني وطني معارض، تستعد الإمارة اللبنانية بنسختها الأخيرة لمغادرة المسرح السياسي اللبناني ويتشارك أمراؤها القلق مع والي طهران.