ملكار الخوري

الأثنين ١١ كانون الثاني ٢٠٢١ - 16:39

المصدر: Al Kalima Online

هذه المرّة، لن يتَّصِل مسعود!

– كيفك ملكار؟
+ أهلا مسعود. منيح. وإنت؟
– حلو لْ مئال يلّي كتَبتو عن حرب لْ ميية يوم يا ملكار.
+ ممنونَك.
– هيدا صوت لْ ئَصف موريس مْسَجّلو؟
+ إيه كاسيت كاملي وج ئَفا.
– شو هَل موريس.
نحنا عشناهن لحظا بْ لحظا وصمدنا بْ وِج السوريّي.
+ وكرمال هيك أنا وإنت ئادرين نعمل هل حديس هلّئ، وهَون.
– بتعرف يا ملكار حرب لْ ميية يوم ما أخدت حَئّا متل مَ لازم. دايمن منحكي عن حرب زحلي. بس معارك لْ أشرفيّي، والشباب لّي صمدو، وسْتشهدو، هَودي ئِصّا كبيري. ولازِم ينكتب عنّن أكتر.
+ لْ هِمّي هِمّتَك يا مسعود. يلّا!
– خلّيني شوفَك ئريبن.
+ من كِل بِدّ.
– بْخاطرَك.
+ باي مسعود.

إنتهَت المكالمة.

لم تكن أوَّل مرِّة يتصّل فيها مسعود ليسمعني كلاماً لطيفاً بسبب مقال كتبته. فقبل مقال “يوميّات من حرب المئة يوم”
إتصل بي بعدما أعدت نشر مقالٍ في ذكرى حرب زحلة

– شو هالدِئّا بِل وَصف. كأنَّك كنت هونيك.
+ كان عِمري سِني إلّا شوي. بس صرلي بل 2010 شوف كل أرشيف “مؤسسة بشير الجميّل”، وفيديوات زحلي هنّي لّي نطبعو أكتر شي بْ زاكرتي.
– بس يا رَيتَ كتبت شي عن الشباب لّي ستشهدو فوء. “شلومو”، نايبي لمّا كنت ئايد لْ وحدات سْتشهد فوء وضلّو بالتلج مدّي ئبل م رجعنا سْتلمنا ل جِتّي. في شباب كتار كمان.
مش لازم يِنْتَسو يا مِلكار. هَودي لازِم يكونو مِتل النار لّي حكي عنّا موريس بْ كتابو “خلّو النار والعا”.

وقبل ذلك بأعوام تحديداً 25 آب 2012 بعد نشر مقالٍ بعنوان ” 23 آب 1982، آخر إنتصارات المسيحيين ”

– مش رح ئِلَّك برافو ومن هل حكي لّي بتعرفو،
ليش ذكرى مجدٍ لن يعود يا ملكار؟
بدنا نضَلّ هون. وهيدا لْ وطن دفعنا تمنو دم، وشباب، ومستئبل. مبلا، بدّو يعود.
مش رح نخلّيه لَ هل عكاريت والزعران.

إنطَبَع إسم مسعود الأشقر في زاكرتي مذ كنت فتيّاً. لربّما أكثر ما حيّرني وسحرني في الرجل، لقبه؛ “بوسي”.
طييب كيف يعني مُئاتِل، ولَئَبو “بوسي”؟!
سأَلته مرَّة عن السبب فأجابني بإبتسامةٍ espiègle: أنا وزغير، كنت غنوّج وعَئُّول !

لا أذكر متى وأين تعرّفت عليه بالظبط.
الأكيد بسبب إنخراط والدي في كل النشاطات المعارضة للإحتلال السوري؛ وكذلك كلّما عاد الحديس بأمّي وستّي وخالي أنور عن ذكريات الأشرفية والحرب؛ كان إسم مسعود يُذكر تلقائيّاً.
لكنّي أتذكر لقاءاً في يوم صيف لهّاب في Café Najjar على مقربة من ساحة ساسين، لربّما في مطلع الألفية الثانية.
يومها إصطحبتُ المستشرق البولوني “أركاديوش بلونكا” للقائِه.
كان “أركاديوش” يجري بحثاً عن اللغة اللبنانية خلال مرحلة الحرب، عن الأناشيد، والشعارات والعِدّيات التي كان يتداولها المقاتلون، فإقترح موريس أن أعرّفه على مسعود، كجزء من عملية البحث الميدانية.
بدأ مسعود بسرد ما أسعفته ذاكرته على مشاركته معنا من شعارات كانت تكتب على الجدران، أو ترفع على اليافطات، إلى بعض العِديّات والردّات والأغاني التي إستُبدِلَت كلماتها الأصلية بسرديات المعارك أو الشخصيّات.
وفيما كان يردد عل مسمعنا واحدة من تلك، أخذته الحماسة وراح يضرب الإيقاع بيديه على الطاولة وراح يغنّي بصوتٍ عالٍ.
إنتبه مسعود إلى ردّة فعل روّاد المقهى الودّية، فخَفّ صوتَه تدريجياً إلى أن خفت، ثم نظر إلّي بملعنةِ وقال:
“تفَضَّل. عَجَبَك شو عْمِلت؟! هلّئ تَ يئولو ولاد لْ أشرفيي شفنا مسعود لْ أشْئَر عم يغنّي عند النجّار” وضحكنا.

أكثر ما لفتني في مسعود وفائه لذكرى من سقط من رفاق السلاح في الوحدات التي أسسها.
أكثريّة منشوراته على وسائل التواصل عنهم. صورٌ لشبابٍ في مقتبل العمر، تعود سنوياً في ذكرى إستشهادهم.
تعرَّفت عليهم واحداً واحداً، على أسمائِهم، أعمارِهم ومكان الإستشهاد.
أحاول أن أتخييل أصواتهم، أو بعضاً من يومياتِهم.
في خريف 2010، إلتقيت به، وللصدفِة أيضاً في Café Najjar. كنت مع صديقٍ لي، كريم فضّول، فدعيناه لينضم إلينا.
– يعني إزا كل واحد منكن طالِع لَ بيوّ، أللّا ينجّينا. هات لَ نشوف، شو عم تخَطِّطو؟

جلس قليلاً، تحدّثنا عن الأوضاع، ثم تأهّب للمغادرة. لم تفلح محاولاتنا بإستبقائه ولو دقائق إضافية.

“طالع شِئّ ع رفيئ لإلنا ساكن لَ ئِدّام شوي. نصاب معنا بل أسواء إصابي كبيري. وفَوء إصابتو صارت صحّتو ع ئَدّو. فَ كل جِمعا مِتل ليوم بِمرُوء بْ هَل وئت بتطمّن عنّو. ما بدّي إتأخَّر عْلَيه. هالشباب ما لازم ينْتَرَكو لَ حالُن.”

رأيته لآخر مرّة في 31 آب 2020 في “المندلون” في الأشرفية.

جبان لْ مَوت،
ما ئِدرعْليك لمّا كنت تِطَلَّع بْ عيونو.
نَطَرَك تَ مْرِضت، وإجا.
جبان لْ مَوت.