المصدر: المدن
هل الأسلحة النووية الأميركية في بريطانيا استدعاء لشبح الحرب؟
في صيف عام 2025، تسربت معلومات شبه مؤكدة إلى وسائل الإعلام الغربية تفيد بإعادة نشر الولايات المتحدة لقنابل نووية من طراز “B61-12” في قاعدة “لاكنهيث” الجوية البريطانية، في خطوة لم يُعلن عنها رسمياً من جانب واشنطن أو لندن. هذه العودة النووية إلى الأراضي البريطانية، تأتي بعد غياب دام أكثر من 17 عاماً، منذ سحب آخر قنبلة نووية أميركية من البلاد عام 2008.
التحرك الأميركي أثار موجة من الأسئلة والتحليلات، ليس فقط حول ما إذا كانت هذه الخطوة تعزز الردع في مواجهة روسيا، بل أيضاً بشأن ما إذا كانت تنذر بعودة أوروبا إلى مناخ الحرب الباردة، وسط تصاعد التوترات بين موسكو والغرب، وتفكك المنظومات الأممية لضبط التسلح النووي.
“لاكنهيث” تعود إلى الواجهة
خلال الحرب الباردة، شكلت قاعدة “لاكنهيث” أحد أهم المراكز النووية الأميركية في أوروبا، حيث خزنت فيها القنابل النووية المخصصة لحماية الجناح الغربي لحلف شمال الأطلسي “ناتو”. لكن بعد انتهاء الحرب الباردة وتوقيع اتفاقيات الحد من التسلح، سحبت واشنطن أسلحتها النووية من القاعدة البريطانية، مع الإبقاء على قنابلها النووية في أوروبا بقواعد في ألمانيا، وبلجيكا، وهولندا، وتركيا، وإيطاليا.
اليوم، تعود القنبلة النووية “B61” بنسختها الأحدث القابلة للتوجيه بدقة عالية إلى بريطانيا، تزامناً مع نشر مقاتلات “F-35A” الأميركية، وهي الطائرات الوحيدة القادرة حالياً على حمل هذا النوع من القنابل، ما يشير إلى بنية عملياتية متكاملة تعد لاحتمالات مواجهة نووية تكتيكية في أوروبا.
لماذا الآن؟
من وجهة نظر واشنطن، فإن نشر القنابل النووية مجدداً في أوروبا، يأتي في سياق تغيّر قواعد اللعبة مع روسيا. فالحرب الروسية على أوكرانيا، وتلميحات الكرملين المتكررة لاستخدام السلاح النووي، دفعت الناتو إلى إعادة تقييم مصداقية ردعه، خصوصاً مع تزايد التصريحات العدائية من قبل مسؤولين روس كائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف، حول لجوء روسيا للسلاح النووي.
إذن، الانتشار النووي الأميركي في قواعد أوروبية مثل “لاكنهيث”، يحمل رسالة مفادها أن الرد لن يكون بعيداً أو معقداً، بل جاهز وفوري. كما أن تنويع مواقع التخزين، يعقّد مهمة أي خصم في توجيه ضربة استباقية فعالة.
في المقابل، تلقى هذه الخطوة ترحيباً من بعض دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا، التي أبدت استعدادها لاستضافة قنابل أميركية أو الانخراط في برنامج “المشاركة النووية” لحلف “الناتو”، ضمن تصور يعتبر أن الردع لا يكون مؤثراً إلا بوجود “الزر النووي” في الملعب الأوروبي.
أما بريطانيا، فتبدو مستفيدة من توطيد شراكتها الأمنية مع واشنطن، خصوصاً بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ما يعيد لها بعضا من الثقل الاستراتيجي داخل “الناتو”.
هل تعود أوروبا إلى مناخ الثمانينيات؟
في الجانب المقابل، يرى منتقدو الخطوة الأميركية، أن إعادة الأسلحة النووية إلى بريطانيا يعيد القارة الأوروبية إلى أجواء المواجهة المباشرة بين واشنطن وموسكو. فوجود قنابل “قابلة للاستخدام التكتيكي” يزيد من احتمالات اتخاذ قرار استعمالها، خصوصاً في ظل غياب الثقة وانعدام قنوات الاتصال الفعالة بين الطرفين.
وتحذّر منظمات مثل “حملة نزع السلاح النووي” (CND) من أن قاعدة “لاكنهيث” البريطانية قد تتحول إلى هدف أولي لأي ضربة روسية في حال اندلاع نزاع نووي، ما يضع بريطانيا في دائرة الخطر، دون أن يكون للحكومة البريطانية أي قرار فعلي بشأن استخدام هذه الأسلحة، التي تبقى خاضعة للقيادة الأميركية الحصرية.
ديمقراطية غائبة وسجال داخلي
في الداخل البريطاني، تسبب نشر الولايات المتحدة للأسلحة النووية ببروز جدل حول غياب الشفافية في بريطانيا. إذ لم يُعرض قرار النشر على البرلمان البريطاني، ولم يناقش في وسائل الإعلام المحلية وحتى داخل الحكومة.
وبينما تقع القاعدة رسمياً تحت السيادة البريطانية، إلا أن السيطرة العملياتية الفعلية تعود للجيش الأميركي، ما يطرح أسئلة سيادية حول مدى شرعية وجود سلاح نووي أجنبي في البلاد دون موافقة شعبية و برلمانية واضحة.
أوروبا والمأزق النووي الجديد
التحركات الأميركية في بريطانيا لا يمكن فصلها عن المشهد الأوسع في أوروبا. فمنذ انهيار معاهدة القوى النووية المتوسطة عام 2019، وتعليق روسيا مشاركتها في معاهدة “نيو ستارت”، دخل العالم في مرحلة انعدام التوازن النووي. ومع تصاعد العداء بين الغرب وروسيا، تبدو أوروبا مرة أخرى مهددة بأن تصبح ساحة المواجهة النووية المحتملة.
نموذج “المشاركة النووية” الذي يعتمده الناتو يعزز الحضور الأميركي، لكنه يربط أمن أوروبا بالإرادة السياسية في واشنطن، مع الخوف من وجود رئيس مثل دونالد ترامب والذي يبنى قراراته بسحب مصالحه، ما دفع بعض القادة الأوروبيين، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى طرح مبادرة لتأسيس “مظلة نووية أوروبية” مستقلة.
المظلة الفرنسية ومأزق الاستقلال الاستراتيجي
في تموز/يوليو الماضي، أطلق الرئيس الفرنسي مبادرة تهدف إلى تعزيز الردع الأوروبي عبر نشر القدرات النووية الفرنسية، وربما البريطانية، داخل دول القارة، تحت مظلة أوروبية موحدة. لاقت الفكرة دعماً من ألمانيا (بدفع من المستشار فريدريك ميرتس)، ومن بولندا ودول شمال أوروبا، وتتوجت بتوسيع التعاون مع لندن في إعلان “نوك وود”.
لكن المعارضة داخل فرنسا كانت قوية، خصوصاً من اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، في وقت اعتبرت روسيا المبادرة “خطوة تصعيدية لا تخدم الأمن الأوروبي”.
إذن، تجد أوروبا نفسها اليوم أمام معادلة شائكة، كيف تحافظ على أمنها واستقلالها دون أن تسقط في دوامة سباق تسلح نووي جديد؟ التحدي يكمن في صياغة استراتيجية دفاعية ذكية، تحفظ توازن الردع دون أن تدفع القارة إلى حافة الانفجار.
فالعودة الأميركية النووية إلى بريطانيا، ليست مجرد خطوة تقنية أو دفاعية، بل إشارة إلى أن الملف النووي عاد إلى قلب الجغرافيا الأوروبية، وأن شبح الحرب، ولو بصيغة جديدة، لم يختفِ بعد، بل انه بدأ يلوح في أفق القارة.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها