المصدر: İndependent عربية
إسرائيل تخطط لسياسة جديدة تتجاوز اتفاقات “أوسلو” و”كامب ديفيد”
وفقاً لتقديرات إسرائيلية فإن “السيطرة على محور فيلادلفيا ستكون أمراً حاسماً من أجل إقامة وضع استراتيجي جديد في غزة”.
على رغم المحاولات المكثفة للوسطاء لتذليل العقبات خلال المفاوضات الأخيرة في الدوحة والقاهرة، للذهاب لهدنة ثانية في قطاع غزة وتفادي أي تعثر جديد، يشعر الإسرائيليون أن فرص التوصل إلى صفقة تبادل أسرى ووقف إطلاق النار تضاءلت بشكل كبير، إذ باتوا يخشون أكثر من أي وقت مضى أن المفاوضات بين اسرائيل وحركة “حماس” ستصبح عقيمة ولن تحمل أية بشائر.
وفي مقابل إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على التمسك بشروطه بضرورة بقاء قوات إسرائيلية على طول “محور فيلادلفيا” الحدودي ومعبر رفح بين مصر وقطاع غزة، بجانب الاحتفاظ بقوات في “ممر نتساريم” الذي يفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه، لأنهما يشكلان أهمية استراتيجية وعسكرية وسياسية على حد سواء، وفق تعبيره.
من جانبهم يصر وفد “حماس” بدوره على أن أي اتفاق مع إسرائيل يجب أن يتضمن الشروط الخمسة الأساسية التي أعلنتها الحركة، التي تضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، وانسحاباً كاملاً من قطاع غزة، وحرية عودة السكان لمناطقهم، والإغاثة والإعمار، وذلك استناداً لما اتفق عليه في الثاني من يوليو (تموز)، وما ورد في مقترح الرئيس الأميركي جو بايدن ووافق عليه قرار مجلس الأمن.
وكان الرئيس الأميركي قدم اقترحاً يتكون من ثلاث مراحل لإنهاء الحرب الدائرة في غزة، تستمر الأولى ستة أسابيع، وتشمل وقفاً شاملاً لإطلاق النار، مع انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق المأهولة في قطاع غزة كافة وتبادل إطلاق سراح سجناء ومختطفين، ويعود خلالها الفلسطينيون لمنازلهم في مناطق القطاع كافة.
وتشمل المرحلة الثانية الإفراج عن المحتجزين الأحياء المتبقين لدى “حماس” كافة، بمن فيهم الجنود الرجال، وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، مع تحول وقف إطلاق النار الموقت إلى “وقف دائم للأعمال العدائية”، في حال أوفى الطرفان بالتزاماتهما، في حين تشهد المرحلة الثالثة إعادة إعمار قطاع غزة، كذلك يجرى إعادة رفات من تبقى من المحتجزين الإسرائيليين، الذين قتلوا.
ملف شائك
بالنسبة إلى محللين، فإن رفض نتنياهو للضغوط الأميركية في شأن “محور فيلادلفيا” الذي يقع على امتداد الحدود بين قطاع غزة ومصر على طول 14 كيلومتراً وعرض 100 متر، إلى جانب تقيد المفاوضين الإسرائيليين بشروط من المستحيل أن تقبلها “حماس”، يؤكد أن التفاؤل الذي تشيعه إدارة بايدن ويصور أن الصفقة في متناول اليد لا يعكس الحقيقة.
فإسرائيل تطالب بوجود عسكري لها “طويل الأمد على طول الحدود بين غزة ومصر”، بما يمكنها من محاصرة قطاع غزة من الجهات الثلاث وعزلها عن مصر، على رغم أن الأخيرة تؤكد لجميع الأطراف المعنية رفضها أي وجود إسرائيلي على معبر رفح أو محور “فيلادلفيا” أو تسلم أية خرائط تحدد مواقع تموضع القوات الإسرائيلية على المحور، لما في ذلك من مخالفة لاتفاقات معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية الموقعة في مارس (آذار) عام 1979، المعروفة بمعاهدة “كامب ديفيد” التي تعده “منطقة عازلة”، كانت تخضع لسيطرة وحراسة إسرائيل قبل أن تنسحب الأخيرة من قطاع غزة عام 2005، فيما عرف بخطة “فك الارتباط” وتسلمه للسلطة الفلسطينية كجزء من اتفاقات “أوسلو” بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
وفي العام نفسه وقعت إسرائيل مع مصر “بروتوكول فيلادلفيا”، ليس لإلغاء أو تعديل اتفاق السلام، الذي يحد من الوجود العسكري للجانبين في تلك المنطقة، بل لنشر 750 جندياً على امتداد الحدود مع غزة، على هيئة قوة شرطية لا عسكرية لمكافحة الإرهاب والتسلل عبر الحدود، إلا أن سيطرة حركة “حماس” على قطاع غزة عام 2007، دفع مصر لإحكام قبضتها الأمنية على هذا الشريط الحدودي، خصوصاً أن الحصار الإسرائيلي المطبق على قطاع غزة منذ سيطرة “حماس” دفع الفلسطينين لتجاوز الممر والسياج الحدودي ليعبروا إلى الجانب المصري، وتبين أن مئات الأنفاق الفلسطينية حفرت أسفله.
وبعد أن اختلفت ملامح هذا الشريط الحدودي، وجرفت “حماس “مناطق حدودية، ونصبت أسلاكاً شائكة، بنت مصر بدورها جداراً فولاذياً، وأزالت منشآت عدة بمدينة رفح المصرية وقراها، لإقامة منطقة حدودية عازلة تمتد لنحو خمس كيلومترات، بحيث أصبح معبر رفح البري، المنفذ الرئيس والوحيد لسكان القطاع على العالم الخارجي، لا سيما بعد أن أغلقت السلطات الإسرائيلية جميع المنافذ الستة بين قطاع غزة وجنوب إسرائيل منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) من 2023.
خلاف عميق
تعتبر القاهرة أن سيطرة إسرائيل على الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي مع مصر في مايو (أيار) الماضي، مع وجود قوات عسكرية إسرائيلية ثقيلة في محور فيلادلفيا، خرقاً لاتفاق السلام الموقع بين الدولتين والبروتوكول الأمني الخاص بها لعام 1981، الذي نص على كيفية انتشار القوات المسلحة للدولتين، ويحدد شكل وعدد القوات الموجودة في المنطقة (د) الواقعة داخل إسرائيل.
وذلك على اعتبار أن رغبة أي من الدولتين في زيادة عدد قواتها أو معداتها في هذه المنطقة لدواع أمنية، تستوجب الحصول على موافقة الطرف الآخر.
ووفقاً للقانون الدولي في شأن المعاهدات الدولية، ينص اتفاق فيينا لعام 1969 المتعلق بالاتفاقات الدولية على أنه “في حال تعرض الأمن القومي لأية دولة لخطر ما، فمن حق هذه الدولة مراجعة أو تجميد الاتفاق بشكل جزئي أو كلي أو حتى إلغاؤه بشكل كامل”.
وفيما تحاول إسرائيل فرض ترتيبات سياسية جديدة في قطاع غزة تتجاوز وفق التحليلات الاتفاقات الدولية التي وقعت مع الفلسطينيين والعرب، وفي مقدمها اتفاقات أوسلو وكامب ديفيد التي جرت برعاية أميركية، طالبت أحزاب معارضة مصرية بإعادة النظر في معاهدة السلام الموقعة عام 1979 مع إسرائيل، خصوصاً بعد أن كشفت صحف ومواقع عربية عن أن الوفد الإسرائيلي المفاوض قدم طلباً رسمياً خلال الاجتماعات بإعادة النظر في المعاهدة، وإدخال نصوص عبر اتفاق مكتوب يشرعن سيطرة إسرائيل على محور فيلادلفيا.
وتنص التعديلات أو الاتفاق المكتوب الذي ترغب فيه تل أبيب، وفق ما هو معلن بشكل غير رسمي على “إشرافها على الوضع الأمني في المنطقة الحدودية من الجانب الفلسطيني”، بما يضمن لها اليد العليا في التصرف حال وجود ممارسات ترى أنها تمثل تهديداً لأمنها، وبما يضمن لها التدخل المباشر في أي وقت لمواجهة أي تحديات من دون الحصول على إذن مسبق من أي طرف”.
في المقابل يرى الباحث والمحلل السياسي الإسرائيلي إيدي كوهين أن “مصر هي من يخرق الاتفاق بسبب استمرار وجود الأنفاق التي تمتد من رفح الفلسطينية إلى رفح المصري”، مشيراً إلى أن “التهديد الذي تشعر به إسرائيل يعطيها حق التقدم بشكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد مصر أو اللجوء للتحكيم الدولي”، استناداً إلى أن أحد بنود اتفاق “كامب ديفيد” ينص على أنه يتعهد الطرفان بعدم السماح لأن تكون أراضيهما مصدراً للإرهاب للدولة الأخرى أو أعمال عدائية”، وأن “القانون الدولي ينص على أنه في حال وجود خلاف بين دولتين في شأن اتفاق ما، فمن حقهما اللجوء إلى التحكيم الدولي”.
وأكد كوهين في مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية أن “الجيش الإسرائيلي لم يخترق الحدود، ويتعامل في ما يتعلق بالشق الفلسطيني من المحور وليس المصري”.
خيبة أمل
وفقاً لتقديرات إسرائيلية فإن “السيطرة على محور فيلادلفيا، ستكون أمراً حاسماً من أجل إقامة وضع استراتيجي جديد في غزة”. واعتبر عضو شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي سابقاً مايكل ميلشتاين في حديث مع صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية أن غياب السيطرة الإسرائيلية على محور فيلادلفيا، بما في ذلك معبر رفح الحدودي”، يعني أن الحدود بأكملها ستظل مفتوحة لـ”حماس” بما يمكنها من إعادة ترميم نفسها بسرعة كبيرة وحصولها على كل ما تحتاج إليه”.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها