المصدر: المدن
البحرية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر: إعادة ترتيب الأولويات
أعادت عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر (طوفان الأقصى)، التي نفذتها المقاومة الفلسطينية، ترتيب أولويات الجيش الإسرائيلي ودفعت ببحريته إلى قلب المعركة. فالقوة التي لطالما اعتبرت هامشية في الجيش الإسرائيلي، وجدت نفسها فجأة أمام تحديات تتوزع بين قتال مباشر، وردع متعدد المسارات، واشتباك استخباراتي واسع النطاق. من غزة إلى البحر الأحمر، ومن سواحل لبنان إلى مياه الخليج، توسع حضور البحرية الإسرائيلية يما يتجاوز مهمات الدفاع الساحلي التقليدية.
استعادة المبادرة
كان اختراق مقاتلي “حماس” لشاطئ زيكيم، في الساعات الأولى من هجوم السابع من أكتوبر، لحظة إرباك للقيادة البحرية الإسرائيلية. إذ تبين لاحقاً أن وحدات الاستطلاع كانت على علم بتحركات بحرية محتملة من غزة، لكنها أخفقت في اتخاذ تدابير استباقية. المفارقة أن البحرية، التي راقبت لسنوات تطور وحدة الكوماندوس التابعة لحركة “حماس”، لم تعِ خطورة تهديدها إلا بعد وقوع الكارثة.
تولت وحدات الكوماندوس البحري، ملاحقة المتسللين، فيما شنت القطع السطحية هجمات على منشآت حماس الساحلية. وفي غضون أيام، تم الاستيلاء على ميناء مدينة غزة، الذي كان يُستخدم لتدريب الغواصين وإخفاء الأنفاق البحرية، وتدمير بنيته التحتية.
بالتوازي، لعبت القطع البحرية الإسرائيلية دوراً محورياً في إسناد العمليات البرية، عبر إطلاق آلاف القذائف والصواريخ، وتوفير تغطية نارية على الساحل. وبرز التنسيق الميداني مع سلاح الجو ووحدات المشاة، في تكامل غير مسبوق بين الأذرع الثلاثة للجيش.
هذه التجربة أعادت رسم موقع البحرية داخل المؤسسة العسكرية، بعد أن كانت توصف بـ”القوة الصامتة”. أما مستقبلها، فسيتحدد بناء على قدرتها على إحباط التهديدات المباغتة، وتطوير أنظمة إنذار مبكر أكثر دقة وفعالية.
اليمن: مسرح غير تقليدي
مع اتساع رقعة الحرب، برز البحر الأحمر كساحة اشتباك جديدة. الحوثيون، بدعم مباشر من إيران، أطلقوا صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل. ورغم أن الدفاعات الجوية نجحت في اعتراض معظمها، إلا أن الأحداث كشفت ثغرة استراتيجية، إسرائيل لم تكن مستعدة للتعامل مع تهديد من جنوب البحر الأحمر.
في البداية، اعتمدت تل أبيب على الوجود الأميركي والدولي لضمان حرية الملاحة في باب المندب. لكن هذا الاعتماد سرعان ما تبدد مع تصاعد الهجمات الحوثية، فاختارت البحرية الإسرائيلية الانتقال من الدفاع إلى الهجوم. في حزيران/يونيو 2025، نفذت طرادات “ساعر 6″، أولى ضرباتها البعيدة ضد أهداف حوثية في الحديدة، معلنة تحولا في قواعد الاشتباك البحرية.
كما شنّت إسرائيل غارة دقيقة على سفينة “غالاكسي ليدر”، التي كان الحوثيون قد استولوا عليها وحولوها إلى منصة مراقبة بحرية. هذه الضربة كانت بمثابة رسالة مزدوجة، قواعد اللعبة في البحر تغيرت، والردع البحري الإسرائيلي لم يعد نظرياً.
في الخلفية، كثفت أجهزة الاستخبارات البحرية جهودها لرصد مسارات تهريب الأسلحة من إيران إلى اليمن، بالتنسيق مع بعض دول الخليج والقيادة المركزية الأميركية. لقد أصبح البحر الأحمر، بالنسبة لإسرائيل، جزءاً من عمقها الاستراتيجي الجديد.
رسائل من تحت الماء لإيران
رغم غياب المواجهة المباشرة، تبقى إيران في صدارة حسابات البحرية الإسرائيلية. فالهجمات من اليمن ولبنان وغزة تحمل توقيعاً إيرانياً واضحاً، من حيث التمويل والتسليح والتخطيط.
بعد اندلاع الحرب، عمدت تل أبيب إلى نشر غواصاتها، والتي يُعتقد على نطاق واسع أنها مجهزة بصواريخ من طراز “Popeye” ذات رؤوس نووية في مواقع استراتيجية، منها بحر العرب، في ما اعتُبر رسالة ردع نووي. هذه الغواصات، تشكل “الضربة الثانية” في حال تعرّضت إسرائيل لهجوم وجودي.
بالتوازي، نشطت البحرية عملياتها الاستخبارية البحرية. إذ يعتقد أنها تقف خلف مراقبة وضرب سفن إيرانية مشبوهة كانت تنقل أسلحة إلى فصائل فلسطينية أو إلى حزب الله. كما شاركت في رصد النشاط الإيراني في موانئ سوريا في عهد النظام السوري السابق، ما ساعد لاحقاً في تنفيذ ضربات جوية دقيقة ضد مستودعات أسلحة ومواقع قيادة في سوريا ولبنان.
على الصعيد الدبلوماسي، شكلت “اتفاقيات أبراهام” منصة للتنسيق البحري مع بعض دول الخليج العربية، تحت مظلة الردع المشترك ضد إيران. وعلى الرغم من أن هذه الشراكات تتم بسرية، إلا أن حضور إسرائيل في مناورات بحرية متعددة الجنسيات بات أمراً مألوفاً.
لبنان: حماية الغاز وردع حزب الله
في حرب تموز/يوليو 2006، بين إسرائيل وحزب الله، تعرضت البحرية الإسرائيلية لضربة مباشرة ومفاجئة تمثلت في استهداف حزب الله لطراد الصواريخ الإسرائيلي من طراز “ساعر 5″، وهو أحد أحدث السفن الحربية في الأسطول الإسرائيلي آنذاك. تعلمت إسرائيل الدرس، ومنذ ذلك الوقت تتجنب البحرية الإسرائيلية الاقتراب من الشاطئ اللبناني.
إذن، على الجبهة الشمالية، كانت الأولوية للبحرية الإسرائيلية هي تأمين حقول الغاز البحرية، لا سيما “كاريش” و”تمار”، التي تقع ضمن مدى صواريخ حزب الله وطائراته المسيرة. خلال الأسابيع الأولى للحرب، رصدت محاولات من قبل حزب الله لاستهداف هذه المنشآت، لكن القطع البحرية المزودة بمنظومة “C-Dome” نجحت في إفشال هذه المحاولات.
في موازاة ذلك، نفذت البحرية ضربات محددة على مواقع استطلاع ومنصات إطلاق صواريخ ومسيرات شمالي الناقورة، مع الحفاظ على سقف الاشتباك دون التورط في حرب شاملة. وتمركزت السفن البحرية الكبيرة على مسافة آمنة من الساحل، فيما كثفت وحدات الاستطلاع نشاطها لجمع المعلومات.
وبرز دور الاستخبارات البحرية مجدداً في إحباط هجمات محتملة، بينها خطة لاستهداف منشآت استراتيجية إسرائيلية عبر البحر. وقد استُهدفت مواقع لحزب الله على خلفية تلك المعلومات، وتم تدمير زوارق سريعة وغواصات صغيرة يمتلكها الحزب.
كما نفذت قوة خاصة من البحرية الإسرائيلية عملية اختطفت مواطناً لبنانياً يدعى عماد أمهز، قبالة شاطئ مدينة البترون شمال لبنان، في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حيث اقتحمت فرقة الكوماندوس البحرية منزلاً في الصباح الباكر، ثم غادرت الموقع عبر زورق سريع باتجاه إسرائيل.
مستقبل البحرية: من الساحل إلى الأعماق
غيرت الحرب قواعد اللعبة. لم تعد البحرية الإسرائيلية قوة دفاعية على شواطئ حيفا وأشدود. باتت ذراعاً ضاربة في المتوسط والبحر الأحمر، قادرة على التحرك خارج حدود المسرح الإسرائيلي التقليدي.
تخطط القيادة البحرية الإسرائيلية الآن لتعزيز:
• منظومات الدفاع البحري: توسعة منظومة “القبة الحديدية البحرية” لتشمل القطع الجديدة والحقول الاستراتيجية.
• الأنظمة غير المأهولة: طائرات وسفن مسيرة ورادارات تحت البحر لمراقبة أي تهديد تسللي.
• العمل المشترك: دمج القيادة البحرية بالمنظومات البرية والجوية وتدريبها على سيناريوهات الحرب المتعددة الجبهات.
• حماية البنية التحتية: الدفاع عن حقول الغاز والموانئ والمنشآت الساحلية سيشكل أولوية مركزية في العقيدة البحرية.
تعمل البحرية على إنشاء منظومة إنذار واستجابة تغطي كل الجبهات البحرية في الوقت الفعلي، من غزة إلى اليمن فلبنان وسوريا و بالطبع إيران.
البحرية المصرية
في المقارنة التقليدية، تتفوق البحرية المصرية على نظيرتها الإسرائيلية من حيث الحجم والتنوع والمنصات الثقيلة. فالقاهرة تمتلك حاملات هليكوبتر وغواصات ألمانية وفرقاطات فرنسية، ما يجعلها القوة البحرية الأولى في المنطقة.
تسعى تل أبيب إلى مضاهاتها، وتعول على التكنولوجيا والتكامل العملياتي لتحقيق ذلك. رغم ذلك، فإن العلاقة بين القوتين البحريتين اليوم، تتسم بالحد الأدنى من التنسيق لا التصادم، خصوصاً في البحر الأحمر ومحيط غزة. وتدركان الدولتان أن الاستقرار يخدم مصالحهما أكثر من المنافسة البحرية.
ما بعد 7 أكتوبر، تحوّلت البحرية الإسرائيلية من أداة مساندة إلى لاعب مركزي في منظومة الأمن القومي. أثبتت قدرتها على الردع، والضرب، والرصد، والعمل في بيئات متعددة التهديدات. ومع اتساع نطاق المهام وتعمق الشراكات الإقليمية، لا يزال دور هذه البحرية صغير مقارنة بسلاح الجو والمشاة.
في معركة السيطرة على الممرات المائية في شرق المتوسط والبحر الأحمر، باتت تل أبيب تملك ورقة ضغط بحرية لا يُستهان بها. والتحدي الآن ليس في خوض الحرب، بل في منعها من الوقوع، بصمت غواصة أو بصاروخ دقيق من عمق البحر.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها