المصدر: صوت لبنان
التضخم الوحش القادم: العالم بين نار التضخم ومقصلة الفوائد في زمن الحروب؟
شهد الاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة تحوّلًا بنيويًا عميقًا في سلوك السياسات النقدية، مدفوعًا بتقاطع عاملين بالغَي التأثير: عودة التضخم إلى الواجهة من جهة، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الخليج واحتمالات اتساعها من جهة أخرى. هذا التقاطع لا يعيد فقط تشكيل مسارات أسعار الفائدة، بل يفرض على البنوك المركزية خيارات قسرية، ويعيد توزيع الأعباء بين المقترضين والمودعين، ويضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار دقيق قد يمتد أثره لسنوات. في هذا السياق، تبدو البنوك المركزية وكأنها دخلت في ما يمكن توصيفه بـ”فخ السياسات المزدوجة”، حيث لم يعد بالإمكان تحقيق استقرار الأسعار دون التضحية بجزء من النمو، ولا دعم النشاط الاقتصادي دون المخاطرة بإعادة إشعال التضخم. لقد أدت الحرب، خصوصًا مع ارتفاع احتمالات اضطراب إمدادات الطاقة، إلى موجة تضخم مستورد، أعادت دفع الأسعار إلى مسارات تصاعدية بعد فترة من التباطؤ النسبي. وفي المقابل، يُظهر النمو الاقتصادي العالمي مؤشرات وهن واضحة، سواء في أوروبا التي تقترب من حالة ركود تقني، أو في اقتصادات ناشئة تعاني من ضغوط مالية وتمويلية متزايدة. ضمن هذه المعادلة المعقدة، لم تعد السياسة النقدية أداة استباقية بقدر ما أصبحت أداة إدارة أزمات. فقرارات تثبيت أو رفع أسعار الفائدة لم تعد تُبنى فقط على مؤشرات التضخم التقليدية، بل باتت تتأثر بعوامل خارج نطاق السيطرة النقدية، كالتوترات العسكرية، وأسعار النفط، واختناقات سلاسل الإمداد. وعليه، فإن الاجتماعات المرتقبة للبنوك المركزية في شهري أبريل ومايو تكتسب أهمية استثنائية، إذ تشير التوقعات إلى احتمال استمرار النزعة التشددية، لا سيما في أوروبا، حيث يُرجّح أن تتجه السلطات النقدية إلى رفع إضافي للفائدة، في محاولة لاحتواء الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة. في المقابل، يبدو موقف الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أكثر حذرًا، مع ميل إلى التريث في ظل الضبابية المرتفعة، وهو ما يعكس تباينًا متزايدًا في المسارات النقدية بين الاقتصادات الكبرى.
هذا الواقع يضع المقترضين في قلب العاصفة. فارتفاع أسعار الفائدة لا ينعكس فقط في زيادة الأقساط الشهرية، بل يمتد إلى إعادة تسعير شاملة للديون، خصوصًا تلك المرتبطة بمعدلات فائدة متغيرة. ومع تآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم، يجد الأفراد والشركات أنفسهم أمام ضغط مزدوج: كلفة تمويل أعلى من جهة، ودخل حقيقي متراجع من جهة أخرى. هذه الدينامية تخلق ما يمكن تسميته “أزمة الدخل الحقيقي”، حيث تتآكل القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية تدريجيًا، ما يرفع مخاطر التعثر ويضغط على الاستقرار المالي.
في مواجهة هذه التحديات، تبرز مجموعة من الأدوات التخفيفية، وإن كانت محدودة الأثر في بعض الحالات. فإعادة جدولة القروض، وتمديد آجال الاستحقاق، والتحول إلى أسعار فائدة ثابتة، تمثل خيارات مطروحة لتخفيف الضغط الآني، لكنها قد ترفع الكلفة الإجمالية على المدى الطويل. كما أن السداد المبكر الجزئي، حيثما أمكن، يساهم في تقليص عبء الفوائد، بينما يصبح ضبط الاقتراض الجديد ضرورة حيوية في بيئة نقدية متشددة. غير أن هذه الإجراءات تبقى في إطار التكيّف مع الواقع، لا تغييره. على الضفة المقابلة، يظهر المودعون كأحد المستفيدين النسبيين من دورة الفائدة المرتفعة، إذ ترتفع العوائد على الودائع والأدوات المالية قصيرة الأجل. غير أن هذا المكسب يبقى جزئيًا ومشروطًا بمستوى التضخم، إذ إن العائد الحقيقي، بعد احتساب ارتفاع الأسعار، قد يكون محدودًا. إلى جانب المودعين، تستفيد البنوك نفسها من اتساع هوامش الفائدة، كما تجني صناديق النقد وحاملو السندات الجديدة عوائد أعلى. كذلك، تميل الدول ذات الفوائض النقدية والعملات القوية إلى تحقيق مكاسب نسبية في هذا السياق، ما يعكس إعادة توزيع عالمية للمنافع والأعباء.
أما على مستوى الأولويات، فقد شهدت البنوك المركزية تحولًا واضحًا منذ اندلاع التوترات الأخيرة. فبعد مرحلة كانت فيها الأولوية لدعم النمو عقب تباطؤ ما بعد الجائحة، عادت مكافحة التضخم لتتصدر المشهد، حتى ولو كان ذلك على حساب النشاط الاقتصادي. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة ترسخ التضخم في التوقعات، وهو ما قد يجعل كبحه لاحقًا أكثر كلفة وتعقيدًا. وعليه، فإن السياسة النقدية الحالية تميل إلى التشدد الوقائي، في محاولة لمنع الانزلاق إلى دوامة تضخمية يصعب احتواؤها.
فيما يتعلق بآفاق التضخم على المدى المتوسط، يبرز جدل واسع حول احتمال استمرار موجاته حتى عام 2027. لا يمكن وصف هذه التوقعات بالمبالغ فيها بالكامل، إذ إن العوامل الهيكلية، من اضطرابات الطاقة إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد، قد تبقي التضخم عند مستويات أعلى من مستهدفات البنوك المركزية لفترة ممتدة. ومع ذلك، فإن الحديث عن موجة تضخم مرتفعة ومستمرة بالوتيرة نفسها قد ينطوي على قدر من المبالغة، خاصة في ظل توقعات بتباطؤ اقتصادي عالمي قد يسهم في كبح الضغوط السعرية تدريجيًا. من هنا، يبدو السيناريو الأكثر ترجيحًا هو بقاء التضخم في حالة “لزجة”، أي أعلى من الهدف، لكن دون انفلات حاد.
خلاصة القول إن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة تتسم بارتفاع نسبي ومستدام في أسعار الفائدة مقارنة بالعقد الماضي، ما يفرض واقعًا جديدًا على مختلف الفاعلين الاقتصاديين. في هذا الواقع، يتحمل المقترضون العبء الأكبر، بينما يحقق المودعون مكاسب محدودة، وتدير البنوك المركزية توازنًا دقيقًا بين خيارين أحلاهما مرّ. وبينما تتداخل العوامل النقدية مع الجيوسياسية، يصبح المسار المستقبلي للاقتصاد العالمي أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للتنبؤ، ما يجعل من إدارة المخاطر، على المستويين الفردي والمؤسسي، أولوية لا غنى عنها في السنوات القادمة
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها