المصدر: صوت لبنان
الجنوب قربان على مذبح ولاية الفقيه
اعداد: أ.د نادين الكحيل (كاتبة وباحثة سياسية)
منذ عقود، يدفع الجنوب اللبناني أثماناً دموية باهظة لحروب وصراعات تتجاوز حدوده الجغرافية ومصالح أبنائه الوطنية، حيث تحول الى مسرح عمليات وساحة اشتباك مفتوحة تتقاطع فوقها الحسابات الإقليمية والمشاريع العابرة للحدود السيادية.
تاريخياً، شكل الجنوب خط الدفاع الأول عن لبنان بحكم موقعه الجغرافي المحاذي على الحدود مع إسرائيل، مما كبده ويكبده اليوم الكثير من الخسائر خاصة بعد ربط مصيره خلال العقود الأخيرة باستراتيجية إقليمية تقودها طهران، ترتبط بمفهوم “عقيدة ولاية الفقيه” وهي نظرية سياسية ودينية في الفكر الشيعي الاثني عشري، تقوم على فكرة أن الفقيه الجامع للشرائط (أي المرجع الديني الأعلى الذي يمتلك العلم والعدالة والكفاءة) يتولى قيادة المجتمع والدولة في زمن غياب الإمام المهدي، الذي يعتقد الشيعة الاثنا عشرية أنه الإمام الشرعي الغائب منذ القرن التاسع الميلادي.
وتعتبر الاستراتيجية الاقليمية الايرانية أن أمن إيران يبدأ من خارج حدودها، لذلك سعت إلى إنشاء عمق استراتيجي في المشرق العربي والخليج، عبر بناء شبكة من الحلفاء والقوى المتحالفة معها في عدد من دول المنطقة لتعزيز نفوذها السياسي والأمني خارج حدودها عبر الاعتماد على المزج بين النفوذ العقائدي والسياسي والعسكري والاقتصادي لترسيخ حضورها الإقليمي، انطلاقاً من مبدأ أن المرشد الأعلى يشكل مرجعية دينية وسياسية تتجاوز حدود الدولة الإيرانية بالنسبة للمؤمنين بعقيدة ولاية الفقيه.
مما أثار نقاشاً حاداً بين مؤيدين ومعارضين لهذه الاستراتيجية، فبعض الحلفاء الإقليميين لإيران يرون أن المرشد الأعلى يمثل مرجعية دينية وسياسية عابرة للحدود، بينما يرى منتقدو هذه الاستراتيجية أن المفهوم قد يخلق إشكالية بين الولاء الوطني للدولة والولاء العقائدي للمرجعية السياسية الدينية.
وبالتالي هذا المفهوم يتجاوز حدود الدولة الوطنية، حيث تُعطى الأولوية لمصالح “المحور” على حساب خصوصيات وسيادة الدول ومصالح المجتمعات المحلية.
مما يحول أبناء الجنوب اللبناني الى رهائن لمعادلات لا يملكون قرارها. فكلما اشتدت المواجهة بين إيران وخصومها، كان الجنوب أول المتضررين، سواء عبر الحروب المباشرة أو التهديدات أو العقوبات أو الانهيار الاقتصادي الذي يرافق منطق الصراع الدائم.
وأمام هول الكارثة الفادحة اضحى الجميع يتساءل: هل أصبح الجنوب قرباناً يُقدَّم على مذبح ولاية الفقيه؟
حيث بات الجنوب اللبناني يقبع داخل سلسلة من عمليات الاستنزاف الممنهجة وحلقات من التدمير المنظمة، بسبب خيارات حزب الله المنفردة، والذي حول الجنوب الى جبهة إسناد متقدمة باعتباره جزءاً من منظومة الردع الإيرانية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، لا باعتباره منطقة لبنانية تحتاج إلى التنمية والاستقرار.
والأخطر من ذلك أنه تم تحويل الجنوب إلى منصة للصراع ومسرحاً لعمليات عسكرية غير متكافئة بين ميليشيا حزب الله الخارجة عن القانون من جهة وبين اسرائيل من جهة أخرى، مما حرم الدولة اللبنانية من ممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها، وتسبب بمحو قرى عن الخارطة عبر القصف الاسرائيلي الكثيف مما أسفر عن تدمير الابنية السكنية والمدنية والمعالم الآثرية وتسبب بمسح جغرافي بالاضافة الى حجم الخسائر البشرية التي تجاوزت الـــــ 3000 قتيل، في صورة تعكس حجم الكلفة الباهظة التي يدفعها المدنيون بزجهم في حرب ليست حربهم، وربط مصير ملايين من اللبنانيين بحسابات إقليمية معقدة وعقيدة دينية مؤدلجة لا تتصل بالمصلحة الوطنية اللبنانية.
نحتاج اليوم، الى الاسراع في وقف النزف الدموي اليومي عبر إنقاذ الجنوب وحماية ابنائه من أن يبقوا وقوداً لحروب الآخرين وضحايا لاجندة الايرانيين، فالوطنية تقتضي بناء الدولة، وترسيخ السيادة، ودعم الجيش اللبناني، وتأمين الحياة الكريمة للمواطنين عبر اعادة الاعمار، وإبعاد لبنان عن صراعات المحاور التي لم تجلب الا الخراب لوطننا.
في المحصلة، تبقى حماية المواطن اللبناني ومصلحة الوطن فوق أي اعتبار أيديولوجي أو إقليمي، فصناعة السلام تبدأ بإعلاء المصلحة العامة على المصالح الشخصية، وبالتوقف عن حالة الانكار والتملص من المسؤولية، على حزب الله التوقف عن تقديم أبناء الوطن كقرابين الى مذبح ولاية الفقيه، ومشروع اسرائيل التوسعي، فقد آن الأوان لأن ينتصر لبنان لأبنائه لا لمعارك الآخرين، وأن يتحول الجنوب من ساحة استنزاف ومذبحة دائمة إلى مساحة حياة وأمل ونموذج للتنمية والسيادة والسلام.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها