شفيق طاهر

السبت ١٨ تموز ٢٠٢٦ - 08:31

المصدر: المدن

الخط الأصفر في جنوب لبنان، هل يكرر مسار غزة؟

لا تكمن أهمية الخط الأصفر في غزة في موقعه الجغرافي وحده، بل في الوظيفة التي اكتسبها بعد وقف إطلاق النار. فقد بدأ بوصفه خط انتشار يفترض أن تتجمد عنده القوات الإسرائيلية تمهيدا لانسحابات لاحقة، لكنه صار عمليا نطاقاً متحركاً للتحكم بالأرض. أظهرت صور الأقمار الصناعية وتحقيقات ميدانية نقل كتل إسمنتية صفراء مئات الأمتار إلى داخل مناطق يفترض أنها خارج السيطرة الإسرائيلية، فيما ربط دخول المنظمات الإنسانية إلى مناطق مجاورة بتنسيق عسكري متجدد. وتحدثت الأمم المتحدة عن توسع الخط أكثر من مرة وما نتج منه من نزوح جديد. أي إن الخط تحول من علامة على الخريطة إلى منظومة تشمل المنع والتجريف وتحديد أين يستطيع السكان الإقامة أو الحركة.

تقدم هذه السابقة ثلاثة دروس: أن الخط المؤقت قد يصبح مرناً باتجاه واحد، وأن الانسحاب يمكن ربطه بشروط واسعة، مثل نزع السلاح وإعادة ترتيب الحكم، وأن الغموض الميداني يمنح القوة المسيطرة قدرة كبيرة على تفسير الخطر وتعديل قواعد الاقتراب. وهي دروس لا تعني حتمية تكرار النموذج في لبنان، لكنها تحدد المخاطر التي ينبغي مراقبتها.

أين يصح القياس مع لبنان وأين يفشل؟

التشابه في التسمية والعقيدة الأمنية لا يعني أن جنوب لبنان نسخة من غزة. فالخط اللبناني يقع داخل دولة ذات سيادة وجيش ومؤسسات وعلاقات دولية، وتوجد قبالته مرجعية واضحة هي الخط الأزرق وقرار مجلس الأمن 1701. وعلى دعم قيام منطقة بين الخط الأزرق والليطاني خالية من السلاح غير الحكومي.

لكن هذه الفوارق لا تلغي الخطر. فقد نشرت إسرائيل في أبريل/نيسان 2026 خريطة لانتشار يمتد بين خمسة وعشرة كيلومترات داخل لبنان ويضم عشرات القرى، وربطت بقاءه بحماية بلداتها الشمالية. ثم نص إطار يونيو/حزيران على البدء بمنطقتين تجريبيتين، نزع سلاح الجماعات المسلحة، انسحاب إسرائيلي، انتشار الجيش، إعادة الإعمار وعودة المدنيين. غير أن الملحق الأمني وآليات التحقق ما زالا قيد التفاوض، بينما يرفض حزب الله نزع السلاح بالشروط المطروحة. هنا يظهر خطر تحول الشرط الأمني إلى شريط متحرك.

ثلاثة سيناريوهات للجنوب

السيناريو الأرجح في المدى القريب هو انسحاب مجزأ ومشروط. قد تنجح منطقتان أو أكثر كنموذج، يدخل الجيش اللبناني، تتراجع القوات الإسرائيلية، ويعود جزء من السكان. لكنه سيكون انسحاباً من منطقة بعد أخرى، من دون حسم سريع لمصير الحزام كله. ويتيح هذا المسار لواشنطن وبيروت إعلان تقدم، فيما تحتفظ إسرائيل بمواقع تعتبرها استراتيجية إلى أن تقتنع بفاعلية الترتيبات.

السيناريو الثاني هو حزام أمني شبه دائم. يقوى هذا الاحتمال إذا أصبح الانسحاب مشروطا بنزع سلاح حزب الله في لبنان كله، أو إذا احتكرت إسرائيل تعريف زوال التهديد. عندئذ يمكن أن يبقى الخط سنوات، مع مواقع محصنة وطرق عسكرية ومراقبة جوية وعمليات تتجاوز حدوده. لن يكون حدوداًً معترفا بها، لكنه قد يتحول إلى حدود أمر واقع تمنع العودة والإعمار.

أما السيناريو الثالث فهو انهيار الترتيب وعودة الحرب الواسعة. قد يحدث ذلك إذا استأنف حزب الله هجمات منتظمة، أو وسعت إسرائيل عملياتها شمال الخط، أو تحولت محاولة نزع السلاح إلى صدام لبناني داخلي. عندها يصبح الخط قاعدة انطلاق لتوغل أعمق، لا أداة تفاوض على الانسحاب.

المؤشرات التي تحدد الاتجاه

الاختبار الحقيقي ليس في التصريحات، بل في ستة مؤشرات، هل تقع المناطق التجريبية داخل الحزام المحتل فعلا؟ هل يسمح للجيش اللبناني والمدنيين بالعبور جنوب الخط؟ هل تبني إسرائيل تحصينات وطرقاً توحي بإقامة طويلة؟ هل تتراجع الغارات خارج الحزام؟ من يملك الكلمة الأخيرة في التحقق، لجنة مشتركة أم إسرائيل منفردة؟ وهل يبدأ الإعمار فور الانسحاب أم يتحول إلى حافز مشروط؟

قد يتغير المسار إذا حصل تفاهم أميركي إيراني أوسع، أو قدمت واشنطن ضمانة وجدولاً زمنياً ملزماً، أو قبِل حزب الله تسوية داخلية تدريجية للسلاح. وقد ينقلب في الاتجاه المعاكس إذا ضعفت الدولة اللبنانية، أو انتهى دور اليونيفيل من دون بديل فعال، أو تحولت كل حادثة حدودية إلى مبرر لتوسيع المنطقة.

لبنان ليس محكوماً بتكرار تجربة غزة، لكنه يواجه المنطق نفسه، تحويل الأمن من التزام متبادل إلى شرط يحدده الطرف الأقوى. وخلال السنة المقبلة، يبدو الانسحاب الجزئي أرجح من الانسحاب الكامل أو الضم الرسمي. أما مصير الخط على المدى الأبعد فسيتقرر وفق سؤال واحد، هل تصبح الترتيبات الأمنية جسراً لاستعادة السيادة، أم ذريعة مفتوحة لتأجيلها؟

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها