شفيق طاهر

الأربعاء ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦ - 11:50

المصدر: صوت لبنان

الدهاء السعودي.. كيف حولت الرياض المفاعل النووي والـF-35 إلى حزمة تفاوض لا يمكن لواشنطن إسقاطها؟

 

في لحظة سياسية فارقة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، كشفت السعودية والولايات المتحدة عن ملامح شراكة جديدة تتجاوز معايير التعاون التقليدي. فبينما جرى الإعلان عن التقدم في مفاوضات اتفاق التعاون النووي المدني، خرج إلى العلن في اليوم نفسه تقريبا اتفاق آخر لا يقل حساسية، صفقة مقاتلات F-35 وإعادة صياغة الشراكة الدفاعية بين البلدين. ورغم أن المسارين قدما رسميا كاتفاقين منفصلين، إلا أن الرياض حرصت على هندستهما كحزمة استراتيجية واحدة، تجعل من الصعب على الكونغرس الأميركي تمرير أحدهما وإسقاط الآخر.

اتفاق نووي مدني… لكن بثقل سياسي وأمني استثنائي
الإعلان المشترك بين وزارتي الطاقة في البلدين حول اتفاق “123” النووي بدا في ظاهره اتفاقا تقنيا يهدف إلى دعم قدرة السعودية على إنتاج الكهرباء عبر مفاعلات أميركية متطورة. غير أن هذا المشروع، رغم طابعه المدني، يفتح بابا واسعا أمام ترتيبات أمنية تفرضها بنية التهديدات في الخليج، حيث الصواريخ الباليستية الإيرانية والطائرات المسيرة التي أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على ضرب مواقع حساسة داخل المملكة.
صحيح أن واشنطن أكدت أن الاتفاق يقتصر على الطاقة النووية السلمية، إلا أن وجود مفاعل (وربما اكثر) ضخم على الأراضي السعودية يفرض بطبيعته مظلة حماية متقدمة، وهو ما يجعل النقاش حول الأمن جزءا أصيلا من المشروع، لا ملحقا له. ومن هنا، يبدأ الخط الاستراتيجي الذي ترى الرياض أنه لا يمكن فصله بين المفاعل وبين المقاتلة الشبحية الأميركية.

المفاعل كمدخل إلى الجيل الخامس
حين أعلنت واشنطن في الوقت ذاته عن المضي قدما في بيع مقاتلات F-35 للمملكة، بدا أن السعودية قد نجحت في فرض معادلتها الجديدة، إذا أرادت الولايات المتحدة أن تكون المورد النووي الأول للمملكة، وأن تنشر تكنولوجيتها داخل بيئة محفوفة بالتهديدات، فعليها أن تمنح الرياض القدرة على حماية هذه المنشآت قبل تعرضها للخطر، لا بعده.
بهذه المقاربة، لم تعد الـF-35 مجرد صفقة تسليح متقدمة، بل أصبحت ضرورة دفاعية لحماية استثمارات نووية هائلة ومصالح أميركية مباشرة. الأمر الذي جعل الربط بين الملفين، من وجهة نظر الرياض، ليس خطوة تكتيكية، بل صياغة لهيكل دفاعي كامل.

الكونغرس في مواجهة حزمة لا يمكن تجزئتها
هذا الربط الذي نشرته الرياض في واشنطن يضع الكونغرس أمام معادلة معقدة. فالاتفاق النووي يخضع بطبيعته لنقاش حساس داخل الأوساط السياسية الأميركية، خصوصا لدى التيار الذي يخشى من تحول أي برنامج مدني إلى منصة للتخصيب العسكري مستقبلا. أما صفقة الـF-35 فتواجه بدورها تحفظات متعلقة بالتفوق العسكري الإسرائيلي، ومخاوف من احتمال تسرب التكنولوجيا الحساسة إلى الصين. من الجدير ذكره انه قد يتأخر إقرار الاتفاقيات الى ما بعد الانتخابات النصفية للكونغرس بحيث يؤمن الرئيس ترامب أغلبية فيه لتمرير الاتفاقات.
عندما ترتبط الصفقتان ببعضهما، تصبح معارضة أحدهما بمثابة تعطيل للآخر. وهكذا تتحول الحزمة إلى ملف أكبر من أن يسقط، لما تحمله من استثمارات سعودية تتجاوز النصف التريليون دولار (نحو 200 مليار للمفاعلات، ونحو 300 مليار صفقة الطائرات وملازماتها)، ومن فرصة أميركية لتثبيت المملكة كشريك أساسي في مواجهة الصين وإيران.

بين تفوق إسرائيل وكرامة السعودية
القانون الأميركي يفرض الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وهو ما يجعل النسخة الإسرائيلية “F-35I أدير” الأكثر تطورا من بين نسخ الطائرة حول العالم. لكن السعودية، رغم تقبلها هذا الإطار القانوني، لا ترغب في أن تتحول الفوارق التكنولوجية إلى إهانة سياسية.
وقد ظهر ذلك بوضوح في التصريحات المسربة من لقاء ترامب مع ولي العهد، حين قال له الرئيس الأميركي إن إسرائيل تريد أن تحصل المملكة على نسخة أدنى، لكنه يرى أن على الطرفين امتلاك أعلى مستوى ممكن. كان هذا التصريح إشارة إلى أن الرياض تدافع عن كرامة النسخة بقدر ما تدافع عن قدراتها القتالية، في محاولة لتأكيد أنها شريك استراتيجي جديد، لا زبونا يشتري الفائض من التكنولوجيا الأميركية.

الخليج بعد دخول الـF-35، توازنات جديدة
دخول الـF-35 إلى سلاح الجو السعودي سيغير ميزان القوى في الخليج بصورة ملموسة. فالمفاعل النووي سيكون هدفا مغريا في أي سيناريوهات تصعيد في المنطقة، لكن وجود مقاتلات شبحية قادرة على الوصول العميق والضرب الوقائي يجعل التفكير في استهدافه رهانا مكلفا. وفي الوقت ذاته، تحافظ واشنطن على تفوق إسرائيل النوعي، لكنها تمنح الرياض قدرة ردع مهمة، وإن كانت مضبوطة السقف، تمنعها من التحول إلى منافس مباشر لإسرائيل.
أما على المستوى السياسي، ورغم محاولات إسرائيل ربط موافقتها على الصفقة بعملية تطبيع واسعة، فإن الإدارة الأميركية لم تضع التطبيع كشرط رسمي للصفقة. فيما تواصل الرياض ربط أي خطوة علنية تجاه إسرائيل بمسار سياسي يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، لا بمجرد صفقة سلاح.

شراكة جديدة… لا صفقة عابرة
ما تفعله المملكة العربية السعودية اليوم لا يقتصر على شراء مقاتلات متطورة أو بناء مفاعل نووي. إنها تعيد تشكيل موقعها داخل منظومة الأمن الإقليمي والدولي عبر ربط التكنولوجيا النووية بالمظلة الدفاعية الأميركية. وهكذا تتحول العلاقة بين الرياض وواشنطن إلى علاقة أعمق من تبادل الصفقات، علاقة تبنيها ثلاثية متكاملة، مفاعل نووي مدني بتكنولوجيا أميركية، مقاتلات جيل خامس لحمايته، احدث طراز من دبابات أبرامز أم 1، واتفاق دفاعي طويل الأمد يعيد السعودية إلى قلب الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.
هي معادلة جديدة بكل ما تعنيه الكلمة، معادلة تنتقل فيها المملكة من موقع المستهلك إلى موقع الشريك، ومن دور المتلقي إلى دور الذي يفرض شروطه، ويضع قواعد جديدة لمرحلة مختلفة في تاريخ العلاقات السعودية الأميركية.

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها