شفيق طاهر

الجمعة ٢٤ تموز ٢٠٢٦ - 10:39

المصدر: المدن

الصين بين باب المندب وهرمز.. هل تصمد دبلوماسية بكين؟

لم يكن الاتفاق الذي رعته الصين بين السعودية وإيران في آذار/ مارس 2023 اتفاقًا لوقف الحرب في اليمن، بل اتفاقًا لاستعادة العلاقات الدبلوماسية واحترام السيادة وعدم التدخل. لكنه أسهم في تثبيت التهدئة في اليمن، التي بدأت بالهدنة الأممية عام 2022، وفتح المجال أمام مفاوضات سعودية مباشرة مع الحوثيين. لذلك تمثل التهديدات الحوثية الجديدة اختبارًا مهمًا لنفوذ الصين، وإن لم تكن بكين ضامنًا قانونيًا أو عسكريًا للتهدئة اليمنية.

السعودية أمام خطر الضغط من مضيقين

أعلن الحوثيون، في 20 تموز/ يوليو 2026، فرض حظر بحري على السعودية، عقب تجدد تبادل الضربات بين الطرفين للمرة الأولى منذ سنوات. وتكمن خطورة التهديد في تزامنه مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ما يضع صادرات الخليج أمام احتمال الضغط عليها من الشرق والغرب معًا.

تستطيع السعودية تجاوز هرمز جزئيًا من خلال خط أنابيب شرق-غرب، الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة اعتيادية تقارب خمسة ملايين برميل يوميًا، قابلة للزيادة مؤقتًا إلى سبعة ملايين. لكن هذه الورقة تفقد جانبًا من قيمتها إذا أصبحت الملاحة عبر باب المندب معرضة للحصار أو الهجمات.

وحتى إذا لم يتمكن الحوثيون من إغلاق باب المندب كليًا، فإن التهديد وحده يكفي لرفع كلفة التأمين والشحن، ودفع الشركات إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. وقد انخفضت حركة النفط عبر باب المندب إلى نحو 4.2 ملايين برميل يوميًا في النصف الأول من 2025، أي قرابة نصف مستويات عام 2023.

حدود النفوذ الصيني والمفارقة الأميركية

لم تعلن بكين، حتى الآن، مبادرة تفصيلية لمعالجة التهديد الحوثي الجديد. لكن سياستها المعروفة تقوم على الدعوة إلى خفض التصعيد وحماية الملاحة، مع تأييد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمحافظة على قنوات اتصال مع الحوثيين.

المصلحة الصينية مباشرة، ففي عام 2025 مر عبر هرمز نحو 15 مليون برميل من النفط الخام يوميًا، ذهب معظمها إلى آسيا، واستقبلت الصين والهند معًا 44% منه. كما أن تعطيل باب المندب يضر بالتجارة الصينية المتجهة إلى أوروبا عبر قناة السويس، ويرفع كلفة مشروعات الحزام والطريق.

الأرجح أن تضغط الصين بهدوء على طهران لتقييد التصعيد، وتشجع وساطة عُمانية، وتدفع نحو استئناف الحوار السعودي-الحوثي. لكنها ستتجنب غالبًا المشاركة العسكرية في حماية الملاحة. فالنفوذ التجاري يمنحها قدرة على الوساطة، لكنه لا يوفر لها، بالضرورة، القدرة على ردع جماعة مسلحة.

وتكشف الأزمة مفارقة أوسع: الصين من أكبر المستفيدين من استقرار طرق التجارة، لكنها لا تزال تعتمد بصورة غير مباشرة على الوجود البحري الأميركي والغربي لحماية طرق التجارة. فإذا تدخلت الولايات المتحدة لفتح المضيقين، ستستفيد بكين اقتصاديًا من دون تحمل الكلفة العسكرية، وإذا امتنعت واشنطن، ستتعرض الصين لضغوط كي تسهم في توفير الأمن الذي تحتاج إليه. والاختبار هنا هو ما إذا كانت بكين مستعدة للانتقال من الاستفادة من النظام القائم إلى المشاركة في ضمانه.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الاتفاق ومكانة الصين

السيناريو الأرجح هو تصعيد محدود: تهديدات وهجمات انتقائية على سفن أو منشآت سعودية، بهدف تحسين شروط التفاوض من دون إغلاق كامل لباب المندب. فالإغلاق الشامل قد يستدعي ردًا دوليًا واسعًا، ويضر بإيران والصين أيضًا.

السيناريو الثاني هو نجاح وساطة صينية عُمانية في استعادة التهدئة مقابل تفاهمات بشأن الموانئ والمطارات والرواتب والقيود الاقتصادية. وسيمنح ذلك بكين فرصة لتحويل المصالحة السعودية-الإيرانية إلى عملية سياسية أكثر استدامة.

أما السيناريو الأخطر، فهو توسع المواجهة وانهيار التقارب السعودي-الإيراني. عندها ستتضرر صورة الصين بوصفها قوة سلام بديلة، وسيبدو أنها نجحت في رعاية المصالحة، لكنها عجزت عن إدارة نتائجها. وقد يدفع ذلك دول الخليج إلى تعزيز اعتمادها على الولايات المتحدة.

مع ذلك، لن تكون عودة الحرب فشلًا صينيًا خالصًا، بل دليلًا على حدود نفوذ بكين ومسؤولية بقية الأطراف. ولن تنهار مكانة الصين العالمية، لكن مصداقيتها ستتراجع إذا عجزت عن تحويل قوتها الاقتصادية إلى التزامات سياسية قابلة للقياس. فالامتحان الحقيقي ليس منع كل أزمة، بل المساهمة في حماية الملاحة وإحياء التسوية اليمنية. عندها فقط ستثبت الصين أنها قوة عالمية مستعدة لتحمل تكاليف النفوذ، لا مجرد عملاق اقتصادي يريد مكاسبه.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها