المصدر: صوت لبنان
العراق إلى متى: موازنة ضخمة في بيئة جيوسياسية معقدة
يسجل العراق في عام ٢٠٢٥ عجزاً مالياً غير مسبوق وصل إلى نحو ثمانية وتسعين تريليون دينار، وهو الأعلى في تاريخه الحديث. هذا الرقم ليس مجرد مؤشر مالي عابر بل هو انعكاس عميق لهشاشة البنية الاقتصادية والمالية والإدارية للدولة. إذ تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن العجز في موازنة عام ٢٠٢٤ بلغ نحو أربعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع تراكم متأخرات في سداد الالتزامات الحكومية، في وقت تراجعت فيه معدلات النمو غير النفطي من أكثر من ثلاثة عشر في المئة في عام ٢٠٢٣ إلى مستويات منخفضة في ٢٠٢٤، وهو ما يعكس هشاشة مسار التنمية خارج قطاع النفط واعتماد الاقتصاد الكلي على إيرادات الخام. ويعتمد العراق بصورة شبه مطلقة على صادرات النفط التي تمثل أكثر من تسعين في المئة من إيراداته العامة، ومع أي انخفاض في أسعار النفط أو تعطل في عمليات التصدير يظهر العجز المالي بشكل مباشر. وقد اعتمدت الموازنة على افتراضات متفائلة نسبياً لأسعار النفط، لكن التقلبات في السوق العالمية وخاصة بعد تراجع الطلب في بعض الفترات، أدت إلى فجوة واضحة بين الإيرادات المتحققة والنفقات المقررة. وتؤكد تقارير البنك الدولي أن هذه البنية تجعل العراق في موقع هش للغاية أمام أي صدمات خارجية، حيث أن ضعف التنويع الاقتصادي وانخفاض الاستثمار في القطاعات الإنتاجية غير النفطية يزيد من خطورة الوضع لليوم غدا”.
فلازالت النفقات الحكومية تشكل محوراً أساسياً في الأزمة، إذ أن الجزء الأكبر من الموازنة يذهب إلى تغطية الرواتب والدعم والإعانات والمصاريف الجارية، بينما يتراجع الإنفاق الاستثماري الذي من شأنه أن يخلق قاعدة إنتاجية تسهم في تقليص العجز على المدى الطويل. وتظهر بيانات رسمية أن الرواتب والدعم تستهلك أكثر من ثلثي الموازنة، ما يعني أن قدرة الدولة على تقليص العجز محدودة ما لم يتم إعادة هيكلة النفقات. هذا الوضع يقترن بفساد إداري ومالي يبتلع مليارات الدولارات سنوياً عبر عقود غير شفافة ومشروعات وهمية، الأمر الذي يجعل أي جهود للإصلاح تواجه تحديات بنيوية.فمن الناحية النقدية، تشير بيانات البنك المركزي العراقي إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي ما زالت عند مستويات مهمة نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن الضغوط على سوق الصرف تبقى قوية بسبب الطلب المتزايد على الدولار لتمويل الاستيراد والتحويلات. ومع استمرار الاعتماد على مزادات العملة كأداة رئيسية لإدارة سعر الصرف، يتعرض الدينار لضغوط قد تضعف قيمته إذا ما تراجع الاحتياطي أو زادت الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار السلع المستوردة. و تاليا” إن الاستقرار النقدي يظل مرهوناً بقدرة البنك المركزي على إدارة هذه التحديات من خلال أدوات أكثر تنوعاً وكفاءة في عالم مالي و نقدي محكم اضحى قرية لا احد يستطيع تجاوز احكامه.
ان العوامل السياسية تظل بدورها عائقاً أمام أي إصلاحات جادة، حيث إن الموازنة في العراق كثيراً ما تتحول إلى ساحة للصراع بين الكتل السياسية وتوزيع الموارد على أسس محاصصة، وهو ما يجعل القرارات الاقتصادية رهينة للتجاذبات السياسية. ومع استمرار الفساد وضعف المؤسسات الرقابية، فإن القدرة على ضبط الإنفاق أو إعادة توجيهه نحو أولويات استراتيجية تبقى محدودة. كما أن البيئة السياسية غير المستقرة تؤثر سلباً على جذب الاستثمارات الأجنبية، إذ يتردد المستثمرون في دخول سوق يعاني من عدم وضوح في القوانين وكثرة النزاعات الداخلية والتي لازال الكثير من السياسين العراقيين يتخوفون منها.
إلى جانب هذه العوامل الداخلية، يتأثر العراق أيضاً بمحيطه الإقليمي والدولي. فالتوترات الجيوسياسية في المنطقة تضعه في دائرة الضغوط المستمرة، كما أن علاقاته مع المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي تفرض عليه التزامات فيما يتعلق بإصلاح المالية العامة وإعادة هيكلة الاقتصاد. ويشير صندوق النقد إلى أن مواصلة الاقتراض أو تمويل العجز عبر تراكم الديون سيضع أعباء إضافية على الموازنات المقبلة في صورة فوائد وأقساط مرتفعة، وهو ما سيقلص المجال المتاح للإنفاق على الخدمات والبنية التحتية وتاليا” ان تقليص الإنفاق الاستثماري يعني تراجعاً في خلق فرص العمل وزيادة البطالة، كما أن أي تراجع في قيمة العملة أو ارتفاع في الأسعار سيؤدي إلى ضغوط معيشية كبيرة على المواطنين، الأمر الذي قد ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والسياسي. ويشير البنك الدولي في هذا السياق إلى أن معالجة هذه الأزمة تتطلب سياسات متوازنة تجمع بين ترشيد النفقات وزيادة الإيرادات غير النفطية وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام،فالحلول الممكنة و لا تقتصر على تقليص النفقات بل تتطلب استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة الاقتصاد عبر العمل على تنويع مصادر الدخل عبر دعم الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة، وهي قطاعات يملك العراق فيها إمكانات واسعة لكنها مهملة ، والاهم يجب إصلاح الإدارة المالية عبر تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتقوية المؤسسات الرقابية بما يعيد الثقة بالمالية العامة. اما ثالثة الاثافي هي في تطوير أدوات السياسة النقدية بما يضمن استقرار العملة وتقليل الاعتماد على المزادات كأداة وحيدة لإدارة الصرف. وأخيراً فإن الاستقرار السياسي شرط لا غنى عنه لنجاح أي إصلاح، حيث لا يمكن بناء سياسة اقتصادية طويلة الأمد في ظل انقسامات وصراعات داخلية تتجدد بين الفينة و الأخرى.
إن العجز المالي الحالي يمثل جرس إنذار خطيراً لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يكون فرصة لإطلاق إصلاحات جذرية إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية المتكاملة. العراق أمام خيارين، إما الاستمرار في الحلقة المفرغة من الاعتماد على النفط والديون والعجز المتكرر، أو التحول نحو اقتصاد متنوع ومستدام يخفف من المخاطر الخارجية ويوفر قاعدة للتنمية الحقيقية. فالمستقبل المالي والاقتصادي للعراق يتوقف على القرارات التي ستُتخذ اليوم، وعلى مدى قدرة القيادة السياسية والاقتصادية على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية بخطة واقعية وعلمية تستند إلى الأرقام وعلى المعطيات العلمية بعيدا” عن الحصص و لغة المحسوبيات.
بخلاصة إن أزمة العجز المالي في العراق لا يمكن قراءتها بمعزل عن البيئة الجيوسياسية المعقدة التي تحيط بالبلاد. فالعراق يقع في قلب صراعات إقليمية ودولية تتشابك فيها المصالح النفطية والاقتصادية والأمنية، وهو ما يجعل أي أزمة مالية ذات أبعاد أوسع من كونها مسألة داخلية. وما أشبه الحاجات الإصلاحية على كافة المستويات بين بلاد الرافدين و بلاد الأرز .
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها