شفيق طاهر

السبت ٩ آب ٢٠٢٥ - 09:44

المصدر: المدن

المعادن الأرضية النادرة… ساحة صراع كبرى بين واشنطن وبكين

لم تعد المعادن الأرضية النادرة مجرّد مكوّنات خفية في قلب التكنولوجيا، بل تحوّلت إلى ساحة تنافس جيوسياسي شرس بين واشنطن وبكين. هذه العناصر، وعددها 17، وعلى رأسها النيوديميوم والديسبروسيوم والإيتريوم، باتت تشكّل العمود الفقري لكل ما هو “ذكي” وعسكري، من الهواتف الذكية إلى الصواريخ الدقيقة مروراً بالسيارات الكهربائية والمسيرات الحربية.
لكن ما يمنح هذه المعادن قوتها الجيوسياسية ليس وفرتها أو ندرتها في الطبيعة، بل تعقيد استخلاصها واحتكار سلاسل إنتاجها. هنا، تتقدّم الصين على الجميع، وتتحكّم بما يشبه “مفتاح التشغيل” للاقتصاد الرقمي والعسكري في العالم.
الخصائص المغناطيسية والكهربائية التي تميز هذه العناصر، تجعلها ‎ضرورية في صناعة مغناطيسات فائقة القوة، والأجهزة ‎العسكرية كالصواريخ ومحركات الطائرات والرادارات.
من النيوديميوم الذي يمنح السيارات الكهربائية قدرة الحركة، إلى الإيتريوم الذي يضيء الشاشات، ‎تسهم هذه العناصر بشكل غير مرئي في تشغيل عالمنا المعاصر. وفي هذا السياق، لم تعد تلك المعادن ‎مجرّد مواد خام، بل أصبحت مورداً استراتيجياً يحظى باهتمام الدول الكبرى.‎

 

هيمنة صينية صلبة.. واستيقاظ أميركي متأخر
“الصين تمتلك المعادن النادرة كما يمتلك الشرق الأوسط النفط”، تلخص هذه المقولة واقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية. خلال العقود الماضية، تحوّلت الصين إلى ‎مركز الثقل العالمي في صناعة المعادن الأرضية النادرة، إذ تستحوذ اليوم على نحو 70% من ‎عمليات التعدين و90% من قدرات التكرير، ما يجعلها بمثابة “مصنع العالم” لهذه العناصر الحيوية.‎
منذ ثمانينيات القرن الماضي، حدّدت بكين هذه الصناعة كأولوية ‎استراتيجية، وضخّت استثمارات ضخمة في مجالات التعدين والتكرير، مستفيدة من كلفة إنتاج ‎منخفضة بسبب قواعد بيئية مرنة وأجور عمال زهيدة. وهكذا أطاحت الشركات الصينية ‎بمنافسيها الدوليين، في وقت عجزت فيه الولايات المتحدة عن مجاراة الأسعار المتدنية القادمة من ‎الصين، ما أدى إلى إغلاق أو تراجع معظم المناجم خارجها.‎
لكن بكين لم تكتفِ بالسيطرة على استخراج المعادن، بل بنت سلسلة التوريد كاملة، ‎مستثمرة في تقنيات التنقية والتصنيع، وفرضت سياسات تصدير تفضيلية جذبت الصناعات ‎المرتبطة بالمعادن إلى الداخل الصيني. حتى المواد الخام التي ‎تستخرج من خارج الصين، كثيراً ما كانت تجد طريقها إلى المصانع الصينية لتتم معالجتها هناك.
بقي هذا الاحتكار حتى عام 2010 ‎حينها، وعلى خلفية نزاع بحري مع اليابان، أوقفت بكين شحنات المعادن الأرضية النادرة إلى ‎طوكيو. كان ذلك كافياً لهزّ الأسواق، ورفع الأسعار، وإطلاق إنذار مبكر بأن هذه ‎المواد يمكن استخدامها كسلاح جيوسياسي.‎ ومنذ ذلك الحين، تنظر واشنطن وعواصم الغرب إلى هذه الهيمنة بوصفها تهديداً أمنياً.

 

بكين تشهر سلاح المعادن
مع تصاعد التوترات بين بكين وواشنطن خلال العقدين الأخيرين، تحوّلت المعادن الأرضية النادرة ‎من مورد صناعي إلى ورقة ضغط في حرب جيوسياسية متعددة الوجوه. ففي خضم النزاع التجاري ‎والتكنولوجي، لمّحت الصين مراراً إلى إمكان استخدامها سلاح التصدير، في وجه القيود التي ‎فرضتها الولايات المتحدة على شركات التكنولوجيا الصينية.‎
وفي عام 2025، ترجمت بكين تهديداتها إلى أفعال، فأعلنت تعليق تصدير مجموعة من المعادن ‎الأرضية النادرة عالية الأهمية منها الديسبروسيوم والتيربيوم. وبررت القرار بأنه يأتي في إطار حماية البيئة، لكن الرسالة كانت ‎أوضح، الصين قادرة على خنق سلاسل التوريد الغربية.
لم تتأخر النتائج، في غضون أسابيع، عانت مصانع أميركية وأوروبية من نقص حاد في المعادن النادرة ‎المستخدمة في السيارات الكهربائية، أنظمة الدفاع، حتى الإلكترونيات الاستهلاكية.

 

البنتاغون يستثمر
لم تعد المعركة تجارية فحسب، بل انتقلت إلى مرحلة بناء “جبهة جيوسياسية للمعادن”. إدراكاً للخطر الاستراتيجي الذي يشكّله الاعتماد شبه الكامل على الصين، أطلقت الولايات المتحدة ‎وحلفاؤها تحركاً واسعاً لإعادة رسم خريطة سلاسل التوريد في قطاع المعادن الأرضية النادرة. ‎الأهداف واضحة، زيادة التنقيب الداخلي، إنشاء الشراكات الدولية، وإعادة التدوير.‎
أولى الخطوات جاءت من قلب كاليفورنيا، حيث عاد منجم “ماونتن باس” إلى الحياة تحت إدارة ‎شركة “MP Materials”. وعلى الرغم من أن المنجم كان يعتمد على الصين لمعالجة ‎مواده الخام، بدأت الاستثمارات الأميركية بقيادة وزارة الدفاع (البنتاغون) تُضخّ لإقامة مرافق فصل وتكرير بالتعاون مع شركات مثل “Lynas” الأسترالية.‎
لكن واشنطن لا تراهن على التعدين وحده. إعادة التدوير دخلت على خط المواجهة، خصوصاً في ظل ‎ملايين الأجهزة الإلكترونية التي تحتوي على مغناطيسيات نادرة. في هذا السياق، أعلنت شركة “آبل” ‎عن مشروع بقيمة نصف مليار دولار لتطوير منشأة لإعادة تدوير هذه المغناطيسيات في الولايات ‎المتحدة، مع هدف طموح يتمثل في إنتاج مغناطيسيات نيوديميوم معاد تدويرها بنسبة 100% لأجهزة ‎‎”آيفون” وغيرها.‎
بالإضافة الى ذلك، يمول البنتاغون أبحاثاً لاستخراج المعادن النادرة من نفايات مناجم ‎الفحم، وحتى من مصابيح “الفلورسنت” القديمة، في محاولة لتوسيع مصادر العرض وتقليل الاعتماد ‎على الاستيراد.

 

أميركا تحشد حلفاءها
لم تكن الولايات المتحدة وحدها في سعيها لفك الارتباط عن الهيمنة الصينية. فقد سارعت دول حليفة، ‎من أوروبا إلى آسيا، إلى تعزيز قدراتها وتأمين خطوط إمداد بديلة، في ما يشبه تشكيل “تحالف ‎المعادن النادرة”.‎
في عام 2022، أُطلقت شراكة أمن المعادن (MSP)، بمشاركة 14 دولة والاتحاد الأوروبي، بهدف ‎تنسيق الاستثمارات في مشاريع استخراج وتكرير خارج الصين. وتضمنت المبادرة دولاً رئيسية مثل ‎اليابان، أستراليا، كوريا الجنوبية، الهند وكندا، إلى جانب عدد من القوى الأوروبية.‎
أستراليا، بثرواتها الجيولوجية، برزت كركيزة لهذا التوجه، إذ تدير شركة “Lynas Rare ‎Earths” أكبر منجم للأتربة النادرة خارج الصين. وبتمويل ياباني تجاوز 250 مليون دولار، ‎تمكنت “Lynas” من إنتاج أكسيد الديسبروسيوم لتصبح المورد الوحيد له خارج الصين.‎
اليابان، التي تلقت صدمة قوية عام 2010 عندما أوقفت بكين صادرات المعادن إليها، استخلصت ‎الدرس. ومنذ ذلك الحين، تبنّت استراتيجية شاملة لتقليص الاعتماد على الصين، تشمل الاستثمار في ‎إعادة التدوير، البحث عن بدائل، وإبرام اتفاقيات مع دول مثل الهند وكازاخستان.‎
أما الاتحاد الأوروبي، فاعتبر المسألة مسألة أمن اقتصادي. فقد صاغ قانوناً للمواد الخام الحيوية، ‎يستهدف زيادة التنقيب والمعالجة داخل أوروبا، إلى جانب إقامة شراكات مع دول غنية بالموارد. ومنذ ‎‎2023، أبرم الاتحاد اتفاقيات مع كندا وناميبيا وكازاخستان، ويسعى إلى توسيع حضوره في أفريقيا، ‎لا سيما في دول البحيرات الكبرى مثل الكونغو الديمقراطية، رواندا وأوغندا.

 

الكونغو الديمقراطية كنز تحت الرماد
بينما يسعى الغرب لفك ارتباطه عن سلاسل التوريد التي تمر عبر الصين، برزت أفريقيا وتحديداً ‎جمهورية الكونغو الديمقراطية، كجبهة واعدة في سباق المعادن الحيوية. فهذا البلد الواقع في قلب ‎القارة السمراء يمتلك نحو 70% من احتياطي الكوبالت العالمي، إلى جانب رواسب ضخمة من ‎النحاس، التنتالوم، النيكل وحتى الليثيوم المحتمل.
لكن النزاعات المسلحة في شرق البلاد، وتداخل الجماعات ‎المسلحة مع أنشطة تهريب المعادن، عطّلت لعقود إمكانات الاستغلال المنظّم لهذا المورد ‎الاستراتيجي. مما فتح المجال للشركات الصينية للسيطرة بقوة على ما يُقدّر بـ80% من إنتاج ‎الكوبالت في الكونغو.
غير أن تحوّلاً لافتاً برز في منتصف عام 2025. فقد نجحت وساطة أميركية في إبرام اتفاق سلام ‎بين الكونغو ورواندا، بعد سنوات من النزاع الحدودي ودعم رواندي لمتمردي “M23”. الاتفاق، ‎الذي أُطلق عليه إعلامياً “اتفاق واشنطن”، لم يكن مجرد ترتيبات أمنية، بل تضمّن خطة اقتصادية ‎موازية لتنمية الثروات المعدنية في إطار شراكة مع المستثمرين الغربيين.‎
كما شهدت العاصمة القطرية الدوحة، محادثات موازية بين الحكومة الكونغولية وحركة “M23″، أفضت إلى إعلان ‎مشترك لوقف الأعمال العدائية. وبدا أن هناك توافقاً دولياً لمنح السلام فرصة مقابل تنمية الموارد.

 

أوكرانيا.. السلاح مقابل المعادن
تشير التقارير أن حوالي 5٪ من “المواد الخام الحيوية” في العالم، موجودة في أوكرانيا، مما يجعل البلاد “واحدة من الدول الخمس الرائدة” في هذا المجال. تمتلك أوكرانيا 7٪ من إمدادات التيتانيوم في أوروبا. كما أنها تضم ثلث إجمالي احتياطيات الليثيوم في أوروبا، بالإضافة الى البريليوم واليورانيوم، وكلاهما ضروريان للأسلحة النووية والمفاعلات.
استولت روسيا على بعض الأراضي الأوكرانية التي تحتوى على العديد من المعادن النادرة، تقدر قيمتها بنحو 350 مليار دولار.
وسط الحرب المستمرة بينها وبين روسيا، وقعت كييف وواشنطن في نيسان/أبريل 2025، اتفاقية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا بشأن المعادن، منحت الولايات المتحدة خلاله أفضليه الوصول إلى المعادن الأوكرانية النادرة بشروط تنافسية وذلك مقابل المساعدات العسكرية الأميركية كجزء من المساهمة المالية لواشنطن، مما يعزز مصالح الولايات المتحدة في مستقبل الصراع الى المعادن النادرة.

 

عصر “النفط الجديد”
من المختبرات إلى المناجم، ومن شرق آسيا إلى قلب أفريقيا، يتحرّك العالم لإعادة رسم خريطة القوة الاقتصادية. في هذا العصر، لم يعد النفط وحده هو المحرّك، بل المعادن التي تصنع بطاريات السيارات، وتشغّل الأقمار الصناعية، وتقود أنظمة الدفاع.
العالم بدأ يدرك أن تأمين هذه السلاسل ليس ترفاً ‎اقتصادياً، بل ضرورة استراتيجية، تماماً كما كان النفط في القرن العشرين.‎ لقد دخلنا بالفعل عصر “النفط الجديد”، فالمعادن الأرضية النادرة لم تعد موضوعاً ‎تقنياً، بل باتت في قلب الصراع على النفوذ العالمي، ترسم حدود القوة، وتعيد تشكيل خريطة ‎المصالح الدولية لعقود مقبلة.‎

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها