المصدر: صوت لبنان
المواطنة مدخل وزارة التربية نحو لبنان: المواطنة قيمة استراتيجية لا ترفاً فكرياً
يشكّل مفهوم المواطنة في العلوم السياسية والاجتماعية إطاراً محورياً لتنظيم العلاقة بين الفرد والدولة، ولضمان استقرار المجتمعات وتقدّمها. فالمواطنة ليست مجرّد انتماء جغرافي أو قانوني، بل هي منظومة قيمية متكاملة تقوم على الحقوق والواجبات، وعلى المشاركة الفاعلة، وعلى الإحساس الحقيقي بالانتماء إلى دولة عادلة تحكم بالقانون وتساوي بين جميع أبنائها. وقد أثبتت التجارب الدولية أنّ المجتمعات التي رسّخت المواطنة في هويتها المؤسسية والثقافية استطاعت تجاوز الأزمات، وتحصين أمنها الاجتماعي، وبناء نهضتها على أسس صلبة من الثقة المتبادلة.
في لبنان، تأتي مبادرة وزيرة التربية ريما كرامي بإطلاق “حملة المواطنة” من القصر الجمهوري، وبحضور اللبنانية الأولى، خطوة متقدّمة في مسار يحتاجه البلد بإلحاح. فالبيئة اللبنانية، بما تحمله من تراكمات سياسية وطائفية واقتصادية، تُظهر بوضوح مدى حاجة الأجيال الصاعدة إلى برامج تربوية تعيد صياغة الوعي الوطني على أسس علمية وعصرية. وقد شدّدت الوزيرة في برنامجها على تعزيز الانتماء إلى الدولة، وتطوير مناهج تُدخل مفاهيم المشاركة، واحترام القانون، وحقوق الإنسان، والمساواة، والشفافية، فضلاً عن تشجيع المشاركة المدنية في المدرسة والمجتمع. وهو برنامج ينقل المواطنة من خانة الشعار إلى خانة التطبيق، عبر خطوات منهجية تزرع القيم في المدارس وتدعم دور المربي في بناء شخصية المواطن الفاعل لا المتلقّي، إنّ تعزيز المواطنة في لبنان لا يمكن أن يكتمل إلا بربطها مباشرة بمفهوم المساواة الفعلية بين اللبنانيين في كل القوانين والتشريعات. فالمواطنة لا تُبنى على الانتقائية، بل على وحدة المعايير. ومن هنا، يصبح العمل على سدّ الثغرات التي يعاني منها النظام القانوني اللبناني أمراً ضرورياً، من قانون الجنسية الذي لا يساوي بين المرأة والرجل، إلى قوانين العمل التي تحتاج إلى حماية أكبر للمساواة في الفرص، وصولاً إلى النواقص البنيوية في الخدمات العامة، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة. فكل خلل في هذه الملفات ينعكس مباشرة على ثقة المواطن بدولته، وعلى مدى شعوره بالانتماء إليها. وبالتالي، فإنّ خطوة الوزيرة كرامي تحمل بُعداً إصلاحياً متقدماً، لأنها تربط التربية بالقيم الدستورية، وتعيد ربط المدرسة بالدولة، والمواطن بالمؤسسة، والنص بالقيم.
والحقيقة تقول انه لا يمكن فصل هذه المبادرة عن السياق الإقليمي العميق الذي يحيط بلبنان اليوم. ففي زمن تُعاد فيه رسم الخرائط السياسية في الشرق الأوسط، وتخضع فيه الدول لاختبارات مصيرية تطال هوياتها ووحدتها واستقرارها، تصبح المواطنة قيمة استراتيجية لا ترفاً فكرياً. في لحظة تختلط فيها الخرائط بالمصالح والتحالفات، يفلّ كل شيء ويبقى الوطن والمواطن. وحدها المواطنة، بهويتها الجامعة وبوظيفتها التحصينية، قادرة على حماية الكيان من التفكك، وعلى تثبيت فكرة الدولة في أذهان الناس، وعلى ضمان بقاء لبنان نموذجاً للتنوع والقدرة على العيش المشترك رغم التحولات الإقليمية العاصفة. ومن هنا، يكتسب إطلاق حملة المواطنة اليوم بُعداً وجودياً، يتجاوز التربية إلى الأمن الوطني والاستقرار طويل الأمد.
إنّ الإشادة بخطوة وزيرة التربية ريما كرامي ليست مجاملة سياسية، بل تقدير لمبادرة تأتي في وقت يحتاج فيه لبنان إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي من جذوره. فترسيخ المواطنة هو الطريق العلمي والعملي لبناء دولة عادلة، ولمعالجة أزمات الثقة، ولتأهيل جيل قادر على تخطي إرث الانقسامات، والانطلاق نحو مستقبل أكثر توازناً واستقراراً. وفي هذا السياق، تصبح المدرسة نقطة الانطلاق الطبيعية لبناء لبنان الذي يستحقه أبناؤه: لبنان المواطنة، والمساواة، وسيادة القانون، والدولة القادرة العادلة والتي تحتضن كل ابناءها بقدر انتمائهم لقيم مواطنتها.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها