محمد موسى

الأثنين ١٢ كانون الثاني ٢٠٢٦ - 10:37

المصدر: صوت لبنان

بعد غزوة فنزويلا وما يتحضر لإيران: أميركيا إلى أين تتجه أسعار النفط؟

من الواضح أننا نعيش اليوم في عالمٍ متوحّش ومرحلة يتقلب فيها العالم من ضفة الى ضفة و تسقط معه جملة قوانين وحقب و ووجوه وقواعد ، عالمٍ لم تعد تحكمه القواعد ولا تضبطه النصوص، بل تديره لغة المصالح العارية من أي غطاء أخلاقي. القانون الدولي، الذي شُيّد بعد الحروب الكبرى ليكون مرجعية جامعة، تحوّل إلى أداة انتقائية، يُستدعى حين يخدم الأقوياء ويُعلَّق حين يقيّدهم. ما فعله بنيامين نتنياهو في غزة، وما يُنظَّر له دونالد ترامب في فنزويلا، يصدران من المنبع ذاته: منطق يقول إن الأخلاق، كما يراها صاحب القوة، أعلى من القانون الدولي، وإن السيادة والشرعية والمواثيق مجرد تفاصيل ثانوية أمام «حق» القوة في فرض إرادتها.
في هذا السياق، لا يصبح النفط مجرد مورد اقتصادي، بل يتحوّل إلى سلاح سياسي واستراتيجي، وتغدو السلع الاستراتيجية رهينة مزاج الزعيم لا استقرار السوق. وإذا افترضنا أن ترامب، بعقلية الصفقة لا بعقلية الدولة، نجح في وضع اليد على النفط الفنزويلي، فإننا لا نكون أمام تطور نفطي تقني، بل أمام زلزال في بنية النظام الطاقوي العالمي.
على المستوى العالمي، إدخال النفط الفنزويلي الهائل إلى الفضاء الأميركي، خارج منطق التوازنات التقليدية، سيضغط على الأسعار نزولاً في المدى القصير. لكن هذا الانخفاض لن يكون تعبيراً عن وفرة صحية، بل عن فوضى مصطنعة. السوق، حين تُدار بالقسر السياسي، تفقد قدرتها على التنبؤ، فتتراجع الاستثمارات وتُجمَّد المشاريع عالية الكلفة، ما يمهّد لاحقاً لعودة الأسعار بشكل أكثر حدّة وتقلباً. وهكذا، يتحوّل «النفط الرخيص» إلى وهم مؤقت، تُدفع كلفته لاحقاً على شكل أزمات متلاحقة.
أما داخل الولايات المتحدة نفسها، فالتناقض يصبح فاضحاً. النفط الصخري، أحد أعمدة الاستقلال الطاقوي الأميركي، لا يحتمل أسعاراً منخفضة لفترات طويلة. إغراق السوق بنفط فنزويلا الأرخص كلفة سيضرب شركات النفط الصخري في صميم نموذجها الاقتصادي، ويهدد وظائف واستثمارات قامت أصلاً على فكرة حماية الإنتاج المحلي. هنا تتصادم شعارات «أميركا أولاً» مع نتائجها الفعلية، ويكتشف صانع القرار أن استخدام النفط كسلاح خارجي قد يتحوّل إلى ارتداد داخلي. في المقابل، تجد أوبك وأوبك بلس نفسيهما أمام تحدٍّ وجودي. إخراج فنزويلا عملياً من المعادلة الأوبكية يعني تقويض أحد أعمدة إدارة السوق الجماعية. الردّ إما يكون عبر خفض إضافي للإنتاج لامتصاص الصدمة، أو عبر الانزلاق إلى صراع حصص سوقية يفقد الجميع السيطرة. في الحالتين، تتآكل قدرة المنظمة على ضبط الإيقاع، ويزداد وزن السياسة على حساب الاقتصاد في تحديد الأسعار.
حلفاء الولايات المتحدة، ولا سيما أوروبا، لن يكونوا بمنأى عن هذه الفوضى. في عالم «أميركا أولاً»، لا مكان لمفهوم الشريك المتساوي. النفط يصبح أداة ضغط لا سلعة مستقرة، وتسعيره يخضع لأولويات واشنطن لا لاحتياجات الحلفاء. أوروبا، المثقلة أصلاً بأزمات الطاقة، ستدفع الثمن مرتين: مرة عبر تقلب الأسعار، ومرة عبر تعميق تبعيتها في سوق لم تعد تحكمه قواعد واضحة. وهذا ما يسرّع، paradoxically، مساعيها للبحث عن بدائل، لكنه يضعف الثقة السياسية مع واشنطن.
أما الصين، «مصنع العالم» والخصم التجاري والثقافي الأول للولايات المتحدة اليوم، فهي الأكثر قراءةً للبعد الاستراتيجي. انخفاض الأسعار قد يمنحها متنفساً مؤقتاً عبر تقليص كلفة الإنتاج، لكن بكين ستتعامل مع السيطرة الأميركية على النفط كسلاح تهديد طويل الأمد. الردّ لن يكون في السوق الفورية فقط، بل في تسريع عقود الطاقة طويلة الأجل مع روسيا وإيران، وتكثيف التخزين الاستراتيجي، وتعزيز التحول نحو مصادر بديلة. النتيجة ليست سوقاً موحّدة، بل انقساماً طاقوياً عالمياً يترافق مع تصعيد جيوسياسي أعمق.
في المحصّلة، ما يجري ليس صراعاً على النفط بقدر ما هو صراع على معنى النظام الدولي نفسه. حين يُختزل القانون الدولي في مزاج الزعماء، وحين تتحوّل الأخلاق إلى مبرر للقوة لا قيداً عليها، يصبح النفط والقمح والدواء أدوات ابتزاز لا عناصر استقرار. عالم اليوم لا يعاقَب لأنه يفتقر إلى الموارد، بل لأنه سلّم مفاتيحها لمنطق الصفقة، ورضي بأن تُدار مصالحه الكبرى بعقلية لا ترى في القانون سوى عائق مؤقت أمام إرادة القوة

 

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها