محمد موسى

الأربعاء ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٥ - 18:13

المصدر: صوت لبنان

بعد قمة شرم الشيخ: أي قادة تحتاج اميركا في إسرائيل

في أعقاب الاتفاق الأخير لإنهاء العمليات العسكرية في قطاع غزة وتكرار تصريحات رؤساء دول غربية بأن الصراع قد اقترب من نهايته، تثار أسئلة جوهرية حول نوع القيادة التي تحتاجها إسرائيل لكي تتحول من منطق الحرب إلى منطق الإقرار السياسي بالحكم المشترك والأمن الدائم. يتطلب أي تحول حقيقي في سياسات الدولة زعيماً أو قيادة تجمع بين عناصر الشرعية الشعبية والقدرة على بناء تحالف سياسي داخلي قادر على تجاوز الانقسامات العميقة بين تيارات اليمين المتطرف والوسط واليسار، فضلاً عن امتلاك رؤية قابلة للتنفيذ مع شركاء إقليميين ودوليين من خلال جملة متطلبات:

أولاً، يجب أن تتسم القيادة المطلوبة بقدرة على فصل المطالب الأمنية العاجلة عن الوجهة السياسية البعيدة المدى. كثير من الإسرائيليين يطالبون بإنهاء العدوان وحماية المواطنين، وهو مطلب ذي شرعية واسعة، لكن إرضاء المطالب الأمنية وحدها لا يكفي إذا لم يترافق مع خارطة طريق سياسية تقلل من احتمالات تجدد العنف. لذلك يحتاج القائد إلى مصداقية في إدارة الأمن وفي الوقت نفسه قدرة تفاوضية لإعادة بناء ثقة دولية ودفع خطوات إعادة الإعمار ومراقبة السلاح المدني والمجموعات المسلحة، مع ضمان إشراف دولي إذا لزم الأمر. هذه الحاجة تنعكس في نتائج مسوح رأي عامة أجريت مؤخراً التي تشير إلى أن نسبة كبيرة من الجمهور الإسرائيلي ترى أن الوقت قد حان لإنهاء الحرب، لكنها تبقى متشككة في قدرة الوصول إلى سلام دائم دون ضمانات ملموسة.

ثانياً، من الناحية السياسية الداخلية، مطلوب زعيم قادر على حشد تحالف برلماني واسع يتجاوز الاعتماد على أحزاب متطرفة تُعطّل أي أفق تفاوضي. القادة المقترحون في الفكر العام يتراوحون بين شخصيات يمينية معتدلة لها جذور قومية وشخصيات وسطية قادرة على استمالة قطاعات من المجتمع اليميني إلى مواقف تحفظ الأمن الوطني دون التصعيد الأيديولوجي. اختيار قائد يظل واقعياً مستبعد إذا لم يملك القدرة على تقديم تنازلات محسوبة، والكتل السياسية التي تضم قوى متطرفة مثل رؤساء أحزاب تمثلها شخصية بن غفير وسموتريتش تشكل عقبة واضحة أمام أي مسار تفاوضي بعيد الأمد لأن خطابهم السياسي يرفض الاعتراف بحدود لأي حل يقترب من قيام دولة فلسطينية أو تنازل عن السيطرة على مساحات استراتيجية، وهنا هل يصلح هذا التطرف بعر اعترافات الدول بالجملة بالدولة الفلسطينية بعر المبادرة السعودية الفرنسية الأخيرة؟

ثالثاً، يجب أن يمتلك القائد الجديد قدرة على استعادة ثقة الحلفاء الدوليين، لا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، الذين لعبوا دور الوساطة في الاتفاق الأخير. التصريحات الدولية الراهنة التي تبارك التهدئة لا تعني قبولاً مطلقاً بأي سياسات داخلية تقوّض الحقوق والالتزامات الدولية؛ لذلك يحتاج القائد إلى خطة واضحة لإعادة الالتزام ببعض المعايير الدولية في إدارة المناطق المحتلة وحقوق الأقلية العربية داخل إسرائيل، بالإضافة إلى استراتيجية شفافة لإعادة إعمار غزة بمشاركة جهات مانحة دولية وشركاء إقليميين. التقارير الصحفية والتحليلات الدولية توضح أن الرهان على حل عسكري مستمر زمناً سيكون مرفوضاً من قبل مساحات واسعة على الساحة الدولية، وأن المصلحة الإسرائيلية تتطلب قيادة عقلانية قادرة على الاستفادة من الفرص الدبلوماسية لفك عزلتها بعدما جرى في شوارع أوروبا وجامعاتها.

رابعاً، من غير المرجح عملياً أن تقود شخصيات متطرفة مثل بن غفير وسموتريتش، المرتبطين بحركات استيطانية وسياسات صارمة تجاه الفلسطينيين، عملية انتقال نحو حل نهائي يطلب توقيع تنازلات أو إجراء إصلاحات دستورية وإدارية لحماية الحقوق. التاريخ السياسي الحديث يظهر أن تلك الشخصيات تكسب نفوذاً انتخابياً عبر خطاب أمني وهوية دينية قومية، لكنها تفتقر إلى القدرة على بناء تفاهمات داخلية وخارجية طويلة الأمد. علاوة على ذلك، أي اعتماد على خطاب استعلائي أو إجراءات أحادية في الضفة وغزة سيُضعف فرص الحصول على ضمانات دولية وإمدادات اقتصادية ضرورية للاستقرار ما بعد الرغبة في حال الصراع إذا كان من حلول بانتظار التنفيذ الفعلي والتزام الإسرائيلي بالمتطلبات الدولية والعربية للمضي بالتسوية.

في الخلاصة، التغيير القيادي القادر على إنهاء الصراع لن يقوم عبر شخصيات متطرفة تعطي الأولوية للتوسع الاستيطاني والسياسات الأحادية، بل عبر قيادة معتدلة أو عملية تجمع بين الشرعية الشعبية والقدرة على بناء تحالفات داخلية وخارجية. تحقق هذا الطراز من القيادة يتطلب تضافر رغبة داخلية في وقف الفناء الإنساني والاقتصادي، وضغط دولي متوازن يقدّم ضمانات أمنية وسياسية، وبرامج لإعادة الإعمار والعدالة الانتقالية التي تقلل من احتمالات الانتقام وإعادة التصعيد. وعليه بدون تلك المقومات سيبقى الانقسام الداخلي داخل الكيان غير متلاءم مع قاله الرئيس ترامب لحل الصراع وتاليا” الاعتماد على عناصر متطرفة عقبة رئيسية أمام أي حل دائم أو تسوية قابلة للحياة في زمن الشرق الأوسط الجديد الذي يسعى الكثيرين اليه.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها