play icon pause icon

منى فياض

الأثنين ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٥ - 09:20

المصدر: صوت لبنان

تساؤل عن معنى الهزيمة والانتصار بعد اتفاق غزة وإسناد حزب الله

يظهر من حصيلة عامين بعد طوفان الاقصى، وما تلاه من «حرب الإسناد» في لبنان، هو قبل كل شيء مأساة إنسانية مزدوجة، دفع الشعبان الفلسطيني واللبناني ثمنها الباهظ. بينما ظلّ الخطاب الرسمي عند الطرفين يحتفل بـ«الصمود» و«النصر الإلهي»، متجاهلاً أكوام الركام والتهجير والفقد الذي أصاب المدنيين.
ومع هذا لا يمكن مقارنة ما قام به السنوار، والذي أفضى الى الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل حوالي 160 دولة، بفضل ضغط ومساندة السعودية وفرنسا والنظام العربي عموماً، ما أحرج الرئيس الاميركي وجعله ينهي الحرب الإبادية، ويفتح الآفاق أمام إمكانية حل عادل أمام الشعب الفلسطيني.
أما ما سُمّي بـ«حرب الإسناد»، التي لم تسند أحدا بقدر ما أضافت جبهة جديدة للمعاناة، فلقد عانت من خلل أساسي، ومن نقص فادح في الذكاء السياسي والقدرة على قراءة الوقائع. لقد بُنيت القرارات على انفعالات أيديولوجية وعلى وهم تغيير موازين القوى، دون حساب موضوعي لتبعاتها على الأرض او للقدرات الفعلية.
وحين تؤول النتائج إلى دمار البنى التحتية، انهيار الاقتصاد، وتدمير القرى وتهجير الآلاف، وموت المئات من الأبرياء، لا يمكن أن يبقى الخطاب يتحدث عن «نصر» بأي معنى سياسي أو أخلاقي.
لقد حصل قلب كامل لمفهوم النصر والهزيمة:
صار الخراب «إنجازاً»، والدم «دليل عزّة»، والدمار والتهجير «مرحلة من مراحل التحرير» وحفظا للكرامة.
هذا الانفصال بين الخطاب العقائدي والواقع الإنساني هو ما يجعل المجتمعات تعيش في دوامة مستمرة من الألم والإنكار.
أما حرب غزة، فلقد خرجت بمكسب الاعتراف بالدولة، الممهد لقيام الدولة الفلسطينية، ولو بعد حين. كما فضحت الاستعمار الاستيطاني الالغائي الاسرائيلي، وجعلت من اسرائيل دولة منبوذة حتى من أقرب الحلفاء، ناهيك عن الانهاك الذي اصابها داخلياً، وسوف نعاين نتائج هذه المرحلة عليها.
الانتصار الحقيقي، كما تثبته كل تجارب التاريخ، هو ما يُقاس بقدرة الشعوب على العيش بحرية وكرامة واستقرار، لا بعدد الصواريخ أو الشعارات التي تُرفع فوق الأنقاض.
عنت صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يتسلّم ورقة اتفاق السلام بين إسرائيل وحماس عودة أميركا إلى قلب الشرق الأوسط. وبرهن ترامب أنه يصنع الأحداث ولا ينتظرها.
لكن، خلف هذه الصورة اللامعة، تختبئ أسئلة كثيرة.
هل ما وُقّع هو نهاية حرب غزة؟ أم بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع بدل حله؟
هل هو سلامٌ حقيقي، يفضي إلى دولة فلسطينية؟ أم هدنةٌ طويلة تحت رقابة دولية مشددة؟
الطوفان الذي هزّ المنطقة قبل عامين كشف حدود القوة وعرّى وهم “النصر الكامل”.
واليوم، تأتي هذه الورقة لتقول إن الواقعية أقوى من الخطابات، وإن السياسة، مهما تأخّرت، تبقى الطريق الوحيد للخروج من الكارثة.
قد لا يكون الاتفاق مثالياً، لكنه يفتح نافذة بعد ليل طويل.
إنه امتحان للجميع: لحماس التي تخرج مثقلة بالدمار، لإسرائيل التي تواجه عجزها عن الحسم، وللعرب الذين عليهم أن يثبتوا أن الوساطة ليست غطاءً للاستسلام، بل فرصةً للحياة.

لكن الصورة الكبرى لا تكتمل دون النظر إلى المأساة اللبنانية التي استمرّت لعامين، ولم تنته في لبنان، حيث تداخلت الحروب وتكرّرت الأخطاء.
تحمّل اللبنانيون تبعات هذا الإسناد من أرواحهم واقتصادهم، فيما بقي القرار الفعلي خارج مؤسسات الدولة.
المفارقة اليوم أن استمرار هذا المنطق نفسه، بعد كل ما جرى، يعني التمسك بخيارات تقود إلى الخراب ذاته — وكأن التجارب لا تعلّمنا شيئاً.
ربما آن لحزب الله أن يعود إلى الواقعية، وأن ينظر حوله، فبيئته هي أول من يدفع الثمن: من أرواح أبنائها، ومن اقتصادها، ومن صورتها بين اللبنانيين والعالم.
فإذا كان الحزب صادقًا في محبته لهذه البيئة، فليجعل مصلحتها أولاً، قبل أي محور أو تحالف أو حساب خارجي.
وليكن لبنان هو البوصلة.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها