محمد موسى

الخميس ١١ كانون الأول ٢٠٢٥ - 11:56

المصدر: صوت لبنان

خفض الفائدة الأميركية: خطوة في قلب الضبابية للاقتصادين الأميركي والعالمي

وكما كان متوقع خفض الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة بواقع 25 نقطة أساس للمرة الثالثة خلال عام 2025 في لحظة تتشابك فيها الضغوط الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية، وتتصاعد معها أسئلة حول مستقبل الاقتصاد الأميركي والعالمي. فالقرار لا ينفصل عن واقع يتميز ببطء التعافي، وتراجع زخم النمو، وعودة القلق من موجات تضخم متقطعة، فيما لا يزال الاقتصاد الأميركي بعيداً عن استعادة زخمه الكامل رغم محاولات التحفيز المتتالية، الخطوة في جوهرها تعكس إدراكاً داخل الاحتياطي الفيدرالي بأن السوق الأميركية باتت أكثر هشاشة مما تظهره المؤشرات السطحية. فالنمو يتباطأ تدريجياً، وسوق العمل لم يعد بالمتانة السابقة، والمؤشرات الصناعية والاستهلاكية ترسل إشارات متناقضة لا تسمح بأي ثقة في مسار صاعد ثابت. لذلك جاء الخفض الثالث للفائدة كنوع من “التهدئة النقدية” المصممة لتخفيف الضغط على النشاط الاقتصادي من دون إشعال موجة تضخمية جديدة. إلا أنّ هذه المعادلة الدقيقة ليست مضمونة، إذ ما زال العالم يعيش في ضبابية اقتصادية وسياسية، وأسواق المال تتحرك بقلق واضح أمام كل رقم اقتصادي أو تصريح سياسي، فعلى المستوى السياسي، يتقدم اسم جيروم باول، رئيس الفيدرالي، إلى الواجهة في ظل العلاقة المعقدة مع الرئيس دونالد ترامب. فترامب الذي عاد إلى البيت الأبيض لا يخفي انتقاده المتكرر لسياسات الفيدرالي في السنوات الماضية، ولا يخفي أيضاً رغبته في رؤية قيادة جديدة في البنك المركزي خلال 2026. وفي هذا السياق، يصبح كل قرار نقدي محاطاً بتساؤلات حول تأثير السياسة على استقلالية المؤسسة النقدية الأميركية. فجيروم باول، الذي يتمسك بمبدأ البيانات أولاً، يحاول أن يظهر القرار كمحصلة قراءة تقنية للاقتصاد، لكن توقيت الخطوة ونبرته المتحفظة يفتحان الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان الفيدرالي يريد تهدئة الأسواق قبل أي تغيير محتمل في قيادته أو قبل دخول الاقتصاد في مرحلة أكثر صعوبة.
أما الأسواق، فقد استقبلت الخفض بحذر ممزوج بالارتياح. فعادة ما يشجع خفض الفائدة تدفقات الاستثمار نحو أسواق الأسهم، نتيجة انخفاض العائد على السندات والودائع، كما يعطي الشركات والمستهلكين قدرة أكبر على الاقتراض بشروط أفضل. غير أنّ حالة الضبابية الراهنة تجعل هذه الفوائد محدودة. فالمستثمرون يدركون أن الاقتصاد لا يزال هشاً، وأن تحسن الأسواق المالية لا يعكس بالضرورة تحسن الاقتصاد الحقيقي. الدولار قد يضعف نسبياً، لكن هذا الضعف قد لا يتحول إلى اتجاه طويل الأمد إذا ما عاد التضخم للارتفاع وكان الفيدرالي مضطراً إلى التراجع عن مسار التخفيف النقدي. وفي ظل هذه الصورة، تتجه الأنظار نحو عام 2026 الذي يبدو اليوم مفتوحاً على أكثر من سيناريو. فإذا استمر التباطؤ، قد يضطر الفيدرالي إلى خفض إضافي للفائدة، وهو ما قد يعطي الاقتصاد جرعة دعم مؤقتة لكنه قد يزيد من هشاشة النظام المالي ويضع ضغطاً جديداً على الأسعار. وإذا ظل التضخم أعلى من المتوقع، سيعود النقاش حول رفع الفائدة من جديد، الأمر الذي قد يقود إلى ركود جزئي أو إلى مزيد من البطء الاقتصادي. أما السيناريو الثالثوهو الأكثر واقعية حتى الآن، فيتمثل في مرحلة التثبيت الحذر، حيث يراقب الفيدرالي المؤشرات شهراً بشهر، من دون قدرة على رسم مسار ثابت للسياسة النقدية، في وقت يسود فيه الاقتصاد العالمي حالة ضبابية غير مسبوقة، كل ذلك يؤكد أن الاقتصاد الأميركي لم يتعافَ بعد، وأن شكل التحسن الظاهر في بعض المؤشرات لا يعكس الواقع الكامل. فالمستهلك الأميركي مثقل بالديون، والشركات تواجه ارتفاعاً في تكاليف التشغيل، وأسواق العمل ليست بالقوة التي كانت عليها قبل ثلاث سنوات. وفي ظل هذا المشهد، يصبح خفض الفائدة خطوة ضرورية ولكن غير كافية، ومحاولة لتأجيل المخاطر أكثر منها معالجة جذرية لها.
في الخلاصة، نحن أمام مرحلة دقيقة من تاريخ السياسة النقدية الأميركية، حيث تتداخل الحسابات الاقتصادية مع التوترات السياسية، ويتقدم الغموض على اليقين. ورغم محاولة الفيدرالي ضبط الإيقاع، يبقى العالم كله، ومعه الاقتصاد الأميركي، في قلب ضبابية لا يوحي أي مؤشر بأنها ستنقشع قريباً حيث التداخل بين أزمات العالم المفتوحة.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها