فرنسوا ضاهر

الخميس ٤ كانون الأول ٢٠٢٥ - 09:37

المصدر: صوت لبنان

رسالة مفتوحة الى قداسة الحبر الأعظم

الى قداسة الحبر الأعظم
ليوون الرابع عشر الكلّي الطوبى

لمناسبة زيارتكم الكريمة لبنان،

في أول انتقال بابوي لكم خارج حاضرة الفاتيكان،
وعلى خطى أسلافكم قداسة البابا بولس السادس في سنة 1964،
وقداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني في سنة 1997،
وقداسة البابا بنديكتوس السادس عشر في سنة 2012،

ارتأيتم أن توجّهوا أنظاركم الى هذا الوطن الرسالة الذي هو في عين العاصفة الشرق أوسطية، كون أراضيه تحتضن أعتى مواجهة عقائدية وعسكرية في هذه المنطقة.

وهو الواقع، الذي يرتد سلباً على تركيبته الداخلية الهشّة دوماً منذ نشأته في الأول من أيلول سنة 1920، والمهيّأة لأن تتصدّع وتتفكّك عند كلّ منعطف مفصلي يعصف بهذه البقعة الجغرافية من الكرة الأرضية.

من هنا، جاءت إلتفاتتكم الى هذا البلد، الصغير في مساحته، الكبير في تجربته والمتشعّب في مآسيه، لتشكل محطة ننقل إليكم فيها ما آلت اليه أوضاعنا كي نتبصّر وإيّاكم سبل معالجتها جذريّاً.

ذاك أن التسويات الرمادية والحلول الظرفية والتنازلات المتعاقبة لم تنشىء دولة في لبنان ولم تحمِ وطناً ولم ترسّخ إستقراراً ولم تنشر طمأنينة ولم توطّد رجاءً لأبناء هذه الأرض.

فلبنان، يا صاحب القداسة، قد عانى منذ تكوينه أزمات متتالية لم تعرف سكينة ولا إستراحة ولا هُدَناً إلاّ لفترات وجيزة، حتى سرعان ما تنفجر الأزمة التي تعقبها. وهذا كله، لم يغب عنكم على الإطلاق بكلّ تفاصيله ومسبباته وخواتيمه، على مرّ السنين والعقود.

وإن رسالة الكرسي الرسولي الدائمة والمستدامة والمتكررة الى هذا الوطن كانت على الدوام أنه رسالة العيش المشترك ومكمن التعدّدية المتعايشة والمتقبلة بعضها بعضاً على هذه الأرض.

وقد دأب لبنان واللبنانيون على السير في هَدي رسالتكم هذه، بالرغم من الإنقسامات العمودية التي ميّزت علاقتهم ببعضهم البعض في المحطات المفصلية والمسائل الكبرى التي عصفت بهذه المنطقة. إنطلاقاً من نشأة دولة إسرائيل سنة 1948 وإرتداد نشأتها على الداخل اللبناني بفعل لجوء عشرات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم وبلدهم إليه في تلك السنة وما بعدها.

حتى بات لبنان حُضناً لهذا الصراع العسكري شرعاً بتوقيعه إتفاق القاهرة سنة 1969، وما استتبعه من تداعيات على الداخل اللبناني في سنة 1975 حتى إعادة تركيب الصيغة اللبنانية بإتفاق الطائف سنة 1989 الذي تُرجم الى دستور 1990 المعدِّل لدستور 1926.

وقد كان من تداعيات الحرب الداخلية التي عصفت بلبنان إثر خلاف اللبنانيين على كيفية إحتضان القضية الفلسطينية أن احتلّت إسرائيل الجنوب اللبناني في سنة 1978 ليستمر إحتلالها له حتى تحريره سنة 2000. وبالتوازي، استكمل النظام السوري إحكام قبضته على بقية الأجزاء من لبنان منذ أواخر سنة 1990 وحتى جلائه عنه في سنة 2005.

غير أن التعقيدات التي طرأت على المنطقة، ضمن إطار المواجهة الوجودية القائمة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال ذراعها اللبنانية المتمثلة بحزب الله وبين دولة اسرائيل، قد استلزمت إقحام لبنان فيها حتى أصبحت أرض جنوبه أرض مواجهة مباشرة ومنطلقاً لحربين خاضاها من أراضيه في سنة 2006 وكرراها في أواخر سنة 2023، وما زالت نيرانها مستعرة حتى اليوم.

علماً أن ما أصاب لبنان منذ نشأته من خضات وأزمات بفعل الظروف والمشاريع والتيارات والقضايا الإقليمية كان يرتكز دوماً على إنقسام اللبنانيين حول طريقة تفاعلهم المتناقضة معها وكيفية مقاربتهم إياها وتعاملهم معها. بحيث لم تكن تستكين تلك الخضات والأزمات إلاّ بترتيبات سياسية جديدة وبتوازنات محدَّثة في توزّع السلطة في مؤسسات الحكم المركزي.

وقد كان يرتضيها المسيحيون، والموارنة فيه تحديداً، إنقاذاً لميثاق العيش المشترك وحمايةً للبنان الرسالة. كونهم ذُخّروا بضمانات دستورية حامية لوجودهم وكيانهم وموقعهم في المنطقة العربية بعد توسعة جغرافية متصرفية جبل لبنان لسنة ١٨٦٠ الى دولة لبنان الكبير لسنة ١٩٢٠.

غير أن هذه السلوكية الإنقاذية للعيش المشترك ولبنان الرسالة التي ارتضاها المسيحيون مرغمين منذ إنطلاقة عهد الوصاية السورية الكاملة على لبنان في اواخر سنة 1990، باتت تأخذ منحىً تصاعدياً في ظل إنفلاش الصدام العقائدي العسكري الوجودي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودولة إسرائيل من أراضيه وتموضع هذا الصراع عليها. بخاصة وأن المسيحيين باتوا معتبرين محاصرين ومحكومين بمقتضيات الحكم المركزي القائم، ومحظوراً عليهم الخروج منه أو عليه، كما ومطلوباً منهم المزيد من التنازلات والإرتضاءات والتسويات لتكوين مؤسساته، والتي تحوّلهم بتسارع كلّي الى مرتبة التبعيّة والإلحاق الى حدّ الذميّة المقنّعة.

حتى إن التوازنات التي بنيت عليها التركيبة اللبنانية قد عُدّلت منذ تكوينها وهي في مرحلة متقدّمة من فقدان التوازن في ظلّ المواجهة العقائدية العسكرية الإقليمية الكبرى المتموضعة على أرض لبنان والتي تتخذ من أراضيه منطلقاً لها.

فالظروف الدولية والإقليمية التي واكبت نشأة لبنان الكبير في سنة 1920 قد تبدّلت بشكلٍ جذري وتبدّلت معها التوازنات الداخلية التي قامت بين مكوّناته. حتى بات عاجزاً بذاته عن الإسترشاد الى إتمام تعديل في تركيبته السياسية على نحوٍ يؤمّن الضمانة الوجوديّة الكيانيّة والموقعيّة الذاتيّة لجميع أبنائه من دون إفتئات أو هيمنة أو تسلّط أو إنتقاص من فئة الى أخرى ومن طائفة على أخرى.

في ضوء ما تقدم،

التمس من قداستكم وببنوّة صادقة، أن تدعوا، من موقعكم، الى عقد مؤتمر دوليّ من أجل لبنان، تكملةً للرسالة الرسولية التي حملها أسلافكم، يشارك فيه قادته الروحيين والزمنيين، بهدف تدارس أوضاعه على مختلف الصعد وإقرار النظام السياسي الذي يوائم تعدّدية تركيبته السوسيولوجية العقائدية ويؤمن لجميع أبنائه، على حدّ سواء، الاستقرار والأمان والمكانة والخصوصية. ما يُسبغ على هذا النظام طابعاً دولياً ويُقرنه بضمانةٍ أمميّة.

أدامكم الله عزّ وجلّ وأعوانكم سائرين على خطى المسيح والقديس بطرس لخدمة الكنيسة الكاثوليكية الجامعة المقدسة الرسولية وخدمة رعاياها المنتشرين في أصقاع الدنيا.

بكلّ احترام وولاءٍ روحي،

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها