شفيق طاهر

السبت ٢٧ حزيران ٢٠٢٦ - 12:25

المصدر: المدن

سانشيز أمام أعمق أزماته.. هل تنتهي معجزة البقاء السياسي؟

يصعب فهم رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز من دون فهم قدرته الاستثنائية على النجاة. فقد خرج من هزيمة داخلية قاسية داخل الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، ثم عاد إلى قيادته، قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة في العام 2018 عبر تصويت حجب الثقة عن ماريانو راخوي، مستفيداً من فضيحة فساد ضربت حزب الشعب.

لكن الأزمة الحالية تبدو مختلفة. فالرجل الذي صعد إلى السلطة باسم الشفافية ومكافحة الفساد يجد نفسه محاصراً بسلسلة قضايا فساد تطاول الحزب الاشتراكي ومحيطه السياسي والعائلي. حتى لو لم يكن سانشيز متهماً مباشرة، فإن الضرر السياسي بات واضحاً، صورته كرجل يواجه الفساد تآكلت، وحكومته تبدو أقل قدرة على إقناع الإسبان بأنها تمثل بداية جديدة لا نسخة أخرى من فساد النظام القديم.

 

الحزب الاشتراكي يتراجع… لكن البديل مرتبك

انعكست أزمة سانشيز على الخريطة الانتخابية. فقد تعرض الحزب الاشتراكي لهزائم مؤلمة في عدد من الأقاليم، خصوصاً في مناطق كانت تعد تاريخياً جزءاً من نفوذه التقليدي. هذه الخسائر لا تعني فقط تراجعاً محلياً، بل تكشف أن التعب من سانشيز بدأ يصل إلى قواعد الحزب نفسها. فحين يخسر الاشتراكيون في معاقلهم، يصبح السؤال أعمق من شعبية رئيس الحكومة، هل لا يزال الحزب قادراً على تقديم مشروع مقنع بعد سنوات طويلة من الحكم؟

في المقابل، لا يبدو اليمين الإسباني جاهزاً تماماً لوراثة سانشيز. ألبرتو نونييث فيخو، زعيم حزب الشعب، يتصدر استطلاعات عديدة ويبدو المرشح الطبيعي لرئاسة الحكومة المقبلة، لكن التقدم لا يكفي إذا لم يتحول إلى أغلبية قابلة للحكم، وهذه الأغلبية تمر غالباً عبر حزب “فوكس” اليميني المتطرف.

هنا تظهر عقدة السياسة الإسبانية الجديدة. فقد تحول “فوكس” من حزب احتجاجي يميني إلى لاعب بنيوي. يقود رئيسه سانتياغو أباسكال خطاباً يقوم على الهوية الوطنية، التشدد تجاه الهجرة، رفض التنازلات للقوميين الكاتالونيين والباسك ومهاجمة ما يسميه أجندة اليسار الثقافية.

لذلك يشكل “فوكس” سلاحاً ذا حدين لحزب الشعب. فهو يمنح اليمين طريقاً إلى الحكم، لكنه يجعل هذا الحكم أكثر إثارة للانقسام. كلما احتاج فيخو إلى “فوكس”، تراجعت قدرته على تقديم نفسه كبديل معتدل ومستقر. ومن هنا قد يجد سانشيز فرصة للبقاء، ليس لأنه قوي بما يكفي، بل لأن خصومه لم يحلوا بعد معضلة الحكم مع اليمين المتطرف.

ولا تكتمل معادلة الحكم في إسبانيا من دون الأحزاب القومية الكاتالونية والباسكية. فهذه القوى لا تمنح سانشيز دعماً مجانياً، بل تفاوضه في كل محطة على مزيد من المكاسب السياسية والمالية والمؤسساتية. لكنها، في الوقت نفسه، تدرك أن سقوطه قد يفتح الباب أمام حكومة يمينية يقودها حزب الشعب ويدعمها “فوكس”، وهو سيناريو تعتبره تهديداً مباشراً لمطالبها بالحكم الذاتي والنفوذ الإقليمي. لذلك يجد سانشيز في تناقضات خصومه شبكة أمان ثمينة، حلفاؤه يضغطون عليه، لكنهم لا يريدون بالضرورة إسقاطه إذا كان البديل هو اليمين المتحالف مع “فوكس”.

 

السياسة الخارجية لا تعوض أزمة الداخل

حاول سانشيز خلال السنوات الأخيرة استخدام السياسة الخارجية لتعزيز صورته كزعيم تقدمي أوروبي. تبنى مواقف حادة تجاه الحرب في غزة، وقدم نفسه كمدافع عن القانون الدولي، ووازن بحذر بين التزامات إسبانيا داخل “الناتو” وحساسية الرأي العام تجاه الإنفاق العسكري. هذه الملفات منحته حضوراً دولياً، لكنها لم تمنحه بالضرورة استقراراً داخلياً.

لكن الناخب الإسباني لا يحاسب رئيس الحكومة فقط على مواقفه من فلسطين أو أوكرانيا أو واشنطن، بل على قدرته على إدارة الاقتصاد، تمرير الميزانيات، ضبط الفساد والحفاظ على أغلبية برلمانية.

مستقبل سانشيز يتوقف الآن على عاملين: حجم ما قد يظهر من فضائح جديدة وقدرة المعارضة على تقديم بديل قابل للحكم. إذا نجح سانشيز في احتواء النزيف، فقد يراهن على الوقت حتى انتخابات 2027، مستفيداً من خوف قطاعات واسعة من دخول “فوكس” إلى الحكومة. أما إذا انفجرت قضية كبرى جديدة، فقد يصبح الضغط نحو انتخابات مبكرة أقوى من قدرته على المناورة.

سانشيز لم ينتهِ سياسياً. تاريخه كله يحذر من التسرع في إعلان نهايته. لكنه هذه المرة لا يواجه أزمة عابرة، بل تآكلا متراكماً في الثقة. لقد أتقن سانشيز فن البقاء، لكن البقاء لم يعد دليل قوة، فقد يصبح هذه المرة علامة على نظام سياسي يواصل تأجيل الانفجار بدلاً من معالجته.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها