شفيق طاهر

الثلاثاء ٢٤ آذار ٢٠٢٦ - 10:12

المصدر: المدن

على تخوم إيران.. الأكراد يلمحون الفرصة ويخشون الفخ

في جبال كردستان العراق، تراقب الفصائل الكردية الإيرانية الحرب على طهران بوصفها فرصة نادرة، لكنها تدرك أيضاً أن الطريق إلى الداخل قد يكون أقصر الطرق إلى الفخ. فمع تعرض إيران لضغط عسكري غير مسبوق في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، عاد إلى الواجهة سؤال قديم يتصل بقدرة الجماعات الكردية المنفية على استثمار ضعف المركز والعودة إلى الداخل الإيراني، لا بوصفها مجرد قوة احتجاج مسلحة، بل باعتبارها طرفاً قادراً على الإرباك والاستنزاف في لحظة ارتباك الدولة.

لكن هذه اللحظة، على ما تحمله من إغراء سياسي وعسكري، لا تبدو حتى الآن مكتملة الشروط. فالفصائل الكردية الإيرانية تدرك أن التقدم نحو الداخل الإيراني لا يتوقف على الحماسة أو الرغبة في الثأر من النظام، بل يحتاج إلى عناصر مفقودة حتى الآن، في مقدمتها الغطاء الجوي، والتنسيق العملياتي، والضمانات السياسية من داعمين خارجيين، فضلاً عن بيئة إقليمية تسمح بتحرك من هذا النوع من دون أن يتحول إلى مغامرة دامية، خصوصاً من الجانب التركي.

لحظة نادرة على وقع ضعف طهران

بالنسبة إلى الجماعات الكردية الانفصالية، تبدو إيران اليوم في واحدة من أكثر لحظاتها هشاشة منذ عقود. فالضربات العسكرية التي تعرضت لها، وما رافقها من ارتباك أمني، منحت الفصائل الكردية شعوراً بأن ميزان القوى الذي ظلّ راجحاً لمصلحة النظام لم يعُد على صلابته السابقة. ومنذ الأيام الأولى للحرب، بدأ الحديث يتصاعد عن إمكان تحرك مجموعات كردية من قواعدها في العراق باتجاه الداخل الإيراني، سواء بهدف الاستطلاع أو التخريب أو استثمار أي فراغ أمني على الحدود.

هذا التصور يجد جذوره في تاريخ طويل من العداء بين طهران والحركات الكردية الإيرانية. فمنذ مطلع الثمانينيات، حين قمعت الجمهورية الإسلامية التمرد الكردي بعنف شديد، انتقلت هذه الجماعات إلى العمل من المنفى العراقي، مع احتفاظ بعض الفصائل بخلايا سرية أو امتدادات تنظيمية داخل إيران. وعلى مدى عقود، لم تتوقف هذه القوى عن النظر إلى نفسها بوصفها جزءاً من صراع مفتوح مع النظام، حتى وإن تقلصت قدرتها الميدانية بفعل الضغوط الإقليمية والتحولات الدولية.

وعلى الرغم من أن الحرب الأخيرة أعادت تسليط الضوء على هذه الفصائل، فإن ما تملكه فعلياً لا يوازي حجم التوقعات التي أحاطت بها. فهي قادرة على التسلل، وعلى تنفيذ عمليات محدودة، وربما على إرباك بعض مواقع الحرس الثوري في المناطق الحدودية، لكنها ليست، في وضعها الحالي، قوة اقتحام قادرة على فتح جبهة واسعة أو الاحتفاظ بمناطق داخل العمق الإيراني لفترة طويلة.

اتصالات خارجية بلا التزامات واضحة

خلال الأسابيع الماضية، ازدادت التقارير عن اتصالات أميركية مع فصائل كردية إيرانية، وعن اهتمام إسرائيلي محتمل باستخدام هذه الجماعات ضمن إطار أوسع لاستنزاف إيران من الداخل. وقد غذّت هذه التسريبات انطباعاً بأن الأكراد الإيرانيين باتوا جزءا من الحسابات العسكرية والسياسية للقوى المنخرطة في الحرب. إلا أن ما رشح من معلومات لا يثبت وجود قرار حاسم بتفعيل هذه الفصائل، بقدر ما يشير إلى عمليات جس نبض وتقييم للقدرات.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فالفصائل الكردية تريد أن تظهر بمظهر القوة الجاهزة، فيما تستفيد القوى الخارجية من إبقاء الغموض قائماً، لما يوفره ذلك من ضغط نفسي على طهران. لكن القوى الكردية تحتاج، قبل أي تحرك واسع، إلى ما هو أبعد من الرسائل السياسية أو الاتصالات الأمنية، تحتاج إلى ضمانات حقيقية بألا تُترك وحدها في الميدان، وإلى تصور واضح لما يمكن أن يترتب على أي دور تؤديه في حال تطورت المواجهة.

هذا التردد ليس تفصيلاً ثانوياً، بل مسألة وجودية بالنسبة إلى الفصائل. فالتجربة الكردية مع القوى الكبرى مليئة بالأمثلة على استخدام الجماعات الكردية كورقة ضغط أو أداة ظرفية، ثم التخلي عنها عندما تتغير الأولويات. ولذلك، فإن الحذر الذي يبديه القادة الأكراد لا يعكس ضعفاً معنوياً بقدر ما يعكس إدراكاً عميقاً لفارق القوة، وللثمن الباهظ الذي يمكن أن يدفع إذا اندفعوا إلى الداخل الإيراني من دون مظلة تحميهم.

إلى جانب ذلك، فإن البيئة الإقليمية ليست مريحة لمثل هذا السيناريو. فإقليم كردستان العراق لا يستطيع أن يتحول بسهولة إلى منصة حرب مفتوحة ضد إيران، في ظل حساباته المعقدة مع بغداد وطهران وأنقرة. كما أن أي تصعيد كردي واسع انطلاقاً من الأراضي العراقية قد يستجلب ضربات إيرانية مباشرة، ويضع الإقليم في قلب مواجهة تتجاوز قدرته على الاحتمال.

الاستنزاف ممكن… أما الحسم فبعيد

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن سقف ما تستطيع الفصائل الكردية الإيرانية تحقيقه، حتى في أفضل الأحوال، يبقى محدوداً. فهي قادرة على استثمار ضعف طهران النسبي في المناطق الطرفية، وعلى تنفيذ عمليات إزعاج واستنزاف، وربما على تشتيت بعض قدرات الحرس الثوري وإجباره على إعادة الانتشار. كما يمكن لهذه العمليات، إذا تراكمت، أن تعمّق الانطباع بأن قبضة الدولة على الأطراف لم تعُد كاملة كما كانت.

غير أن تحويل هذا الدور إلى مسار حاسم يظل أمراً بعيداً. فالحسم يتطلب ما لا تملكه هذه الجماعات حالياً، تفوقاً نارياً، إسناداً جوياً، خطوط إمداد مؤمنة، وقراراً خارجياً واضحاً بالذهاب إلى مواجهة طويلة داخل إيران. ومن دون هذه العناصر، فإن أي توغل واسع قد يتحول سريعاً إلى استنزاف مضاد، أو إلى مذبحة في حق مقاتلين يعرفون الجبال جيداً لكنهم لا يملكون وسائل حماية من الطائرات المسيرة والصواريخ والأسلحة الإيرانية الثقيلة.

هكذا، لا تبدو الفصائل الكردية الإيرانية على أبواب هجوم واسع بقدر ما تقِف عند حافة لحظة تاريخية ملتبسة، فرصة لإرباك طهران، نعم، لكن أيضاً احتمال الوقوع في حرب بلا غطاء ولا ضمانات. وبين الاثنين، يفضل الأكراد، حتى الآن، اختبار هشاشة النظام من بعيد، بدل التقدم إلى الداخل بثمن قد يكون مدمّراً.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها