فرنسوا ضاهر

الأربعاء ٨ نيسان ٢٠٢٦ - 09:33

المصدر: صوت لبنان

في الاجتهاد الذي يفصل بدعوى المطالبة بالوديعة المصرفية بالعملة الأجنبية لما قبل 17/10/2019

في الاجتهاد الذي يفصل بدعوى المطالبة بالوديعة المصرفية بالعملة الأجنبية لما قبل 17/10/2019:

إن مسألة الفصل بدعوى المطالبة بتسديد الوديعة المصرفية بالعملة الأجنبية تثير بلبلة في ضوء المنهجية التي يعتمدها القضاء للبت بها، ما إقتضى التوقف عندها ومقاربتها وفق التالي :

أ- في الوقائع:

1- إن تاريخ الوديعة المصرفية بالعملة الأجنبية يعود الى ما قبل 17/10/2019.
2- تخضع تلك الوديعة في الأصل للنظام القانوني العام. أي لشرعة المتعاقدين وقانون الموجبات والعقود وقانون التجارة البرية وقانون النقد والتسليف.
3- بتاريخ 17/10/2019 إندلعت الأزمة المصرفية على مستوى كل القطاع المصرفي في لبنان.
4- نتيجة إندلاع هذه الأزمة ظهر القطاع المصرفي في حالة شحّ في سيولته.
5- توقّف تسديد الودائع كذلك تحويلها الى الخارج.
6- تدخّل مصرف لبنان لينظّم سداد الودائع وفق سقوف حدّدها تباعاً في التعاميم التي صدرت عنه. وطلب الى المصارف في لبنان الإلتزام بها تحت طائلة الملاحقة أمام الهيئة المصرفية العليا. التي هي هيئة قضائية تنظر في مخالفات المصارف لأحكام قانون النقد والتسليف وتُصدر عقوبات إدارية بحقها، لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية الإدارية او القضائية.
7- عَمدت المصارف الى طرح هذه التعاميم على مودعيها وأخضعت من أراد منهم الى بنودها. كما جَمّدت الودائع التي لم يُرد أصحابها إخضاعها الى تلك التعاميم.
8- وبفعل هذه التعاميم نشأ نظام قانوني جديد، أضحت تخضع له الودائع المصرفية في لبنان، الذي هو غير النظام القانوني العام.
9- أما الدولة التي هي المدين الأكبر لمصرف لبنان والمصارف فقد أعلنت في آذار 2020 توقّفها عن دفع ديونها (default) أي رفضها سدادها لأصحابها.
10- الأمر الذي جعل المصارف في حالة شحّ مستدام في سيولتها. فاقتضى ترتيب توزيع ما تبقّى لها من سيولة، في صناديقها وفي حساباتها لدى المصارف المراسلة ومصرف لبنان، على المودعين لديها.
11- بحيث إضطر مصرف لبنان الى الإستمرار في إصدار التعاميم التي تنظّم توزيع ما تبقّى من سيولة لديه للمصارف العاملة وذلك حتى توزّعها بدورها بالتساوي وبعدلٍ على المودعين لديها.
12- نتيجة ما تقدّم، أضحت الودائع المصرفية خاضعةً واقعاً لنظام قانوني إنتقالي وضعه مصرف لبنان بالتعاميم التي أصدرها، وفرض على المصارف تطبيقها في تعاملها مع عملائها، في حال أراد هؤلاء العملاء الإستفادة من ودائعهم، أي تسييل ما أمكن من قيمتها الإسمية.
13- مؤخراً، بادرت الدولة الى وضع مشروع قانون الانتظام المالي الذي يُخضع الودائع المصرفية المتكوّنة قبل 17/10/2019 الى نظام قانوني محدث (sui generis). بحيث يُخرجها من النظام القانوني العام الذي كانت تخضع له في الأساس، كذلك من النظام القانوني الإنتقالي الذي إبتدعه مصرف لبنان إثر إندلاع الأزمة المصرفية.

ب- في القانون:

السؤال المطروح على القضاء : كيف يمكن القضاء الفصل بدعوى المودع التي يطالب بموجبها مصرفه تسديده وديعته المصرفية بالعملة الأجنبية ؟

ب/1- ذهب القضاء وهو مستقر في ذهابه هذا، في هذه المرحلة، الى الحكم بإلزام المصرف بتسديد مودعه كامل وديعته المصرفية نقداً او بتحويلها له الى الخارج، وذلك تبعاً لإخضاعها لأحكام النظام القانوني العام الذي تخضع له أساساً. أي الى احكام :• شرعة المتعاقدين • وقانون الموجبات والعقود • وقانون التجارة • وقانون النقد والتسليف.

إذ إعتبر أنه لا بدّ من :
– ردّ الوديعة المستحقة الأداء وغير المنازع فيها.
– وإنه من غير الجائز ردّها بموجب الشيك المصرفي لانه لم يعد يشكّل وسيلة إيفاء فعليّة مكتملة العناصر.
– ما يتوجب ردّها نقداً.

بحيث قضى، إستناداً الى ما تقدم، بردّ الوديعة نقداً.

ب/2- وإنه، لغاية التوصل الى هذه النتيجة، إستند الى الأسباب القانونية التالية :

– أسقط مفعول التعاميم التي أصدرها مصرف لبنان بحجة عدم إلزاميتها له. لكونها من فئة القرارات الإدارية (كذا) التي لها مرتبة تدنو مرتبة القواعد القانونية الوضعية. او إنه إعتبرها، في أحسن الأحوال، بمثابة عقد اتفاق فرعي ملزم للمودع الذي ارتضاها وذلك الى حدّ سقف الأموال التي تشملها.

علماً أنه عندما يرتضي المودع إخضاع وديعته المصرفية لنظام التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان، ولو في جزء أوّلي منها، يكون قد إرتضى عفواً إخراجها بكليتها من النظام القانوني العام. ذلك أنه لا يصح إخضاع ذات الوديعة المصرفية لنظامي إيفاء مختلفين. على إعتبار أن النظام الايفائي الانتقالي البديل الذي وضعه مصرف لبنان هو لغرض الحلول محل النظام الايفائي العام، ولقطع الطريق على إمكانية المزاوجة بينهما.

—كما وإعتبر أن النظام القانوني الانتقالي للوديعة المصرفية الذي وضعه مصرف لبنان بتلك التعاميم هو غير ملزم له. من زاوية أن مصرف لبنان هو مؤسسة عامة لا تقيّد قراراتها العمل القضائي.

– كما أسقط عنصر القوة القاهرة (243 و 341 الى 343 م.ع.) التي تُجيز للمصارف إجراء تعديل في إلتزاماتها بتسديد ودائع المودعين لديها (307 ق.ت. و 123 ق.ن.ت.). بحجة أن المصارف هي مهنية وعليها أن ترتقب حالة الشح في سيولتها. غير أنها أخطأت ادارياً في توظيف أموالها وخالفت أحكام قانون النقد والتسليف، ما يجعلها مسؤولة عن حالة الشحّ في السيولة التي وقعت فيها.

علماً أن الفصل بهذه المسألة يقع ضمن الاختصاص الوظيفي المطلق للهيئة المصرفية العليا ويخرج قطعاً عن صلاحية القضاء العدلي.

– كذلك أسقط أيضاً مفعول القوة الإبرائية للشيك المصرفي الذي يُصدره المصرف الوديع لمصلحة عميله المودع على حسابه لدى مصرف لبنان. بحجة أنه لم يعد يشكّل وسيلة إيفاء نقدية آنية وكاملة للوديعة المصرفية.

في حين، أن هذا الأمر مردّه ليس الى النقص في المؤونة التي تكون متوافرة دفتريّاً او إسميّاً عند إصدار المصرف المسحوب عليه شيكاً مصرفياً على حسابه لدى مصرف لبنان بل الى الشحّ في السيولة لدى مصرف لبنان بالذات التي تعود لتلك المؤونة. ذلك الشحّ الذي أحدثته السلطة (fait du prince) بفعل تمنّعها عن إيفاء دينها السياديّ الى دائنيْها، مصرف لبنان والمصارف.

ب/3- بحيث تمّت معالجة الوديعة المصرفية وكأنها حالة خاصة (cas particulier) بين المودع ومصرفه، فطُبقت عليها أحكام القانون العام للفصل بها. في حين أنها (أي الوديعة المصرفية) حالة شمولية ونظامية (situation généralisée et
systémique) تناولت علاقة القطاع المصرفي بمودعيه على مجمل الأراضي اللبنانية. بحيث لم يعد من الجائز إستخراج الحلول من أحكام القانون العام المعدّ لرعاية الحالات الخاصة وإعمالها بمعرض الحالة أو الوضعية الشمولية والنظامية التي تتناول كامل القطاع المصرفي مع مودعيه.

ج- غير أنه يؤخذ على هذه المنهجية في الحكم :

ج/1- إن حالة الشحّ في سيولة المصارف التي تحول دون ردّ الوديعة (نقداً) وفق التعاقد، مردّه الى فعل السلطة (fait du prince)، التي إمتنعت عن إيفاء مديونيتها السيادية (dettes souveraines) لمصرف لبنان والمصارف (واقعة ثابتة بالـ default في شهر آذار 2020 بمفهوم المادة 141 أ.م.م.). وفعل السلطة هذا، غير المرتقب وغير المتوقع وغير الممكن تجاوزه (imprévisible et insurmontable)، يؤلّف عنصر القوة القاهرة التي تعدّل في كيفية ردّ الوديعة وليس في كيانها الاقتصادي، أي في قيمتها الإسمية أو الدفترية.

ج/2- وإن تعديل كيفية ردّ الوديعة بفعل السلطة / القوة القاهرة يحمل على ردّها حكماً وفق تعاميم مصرف لبنان، التي تشكّل النظام القانوني البديل عن النظام القانوني العام.

بخاصة أن تلك التعاميم قد وصّفها القضاء الإداري ، على أنها من فئة القرارات الإدارية (actes administratifs) (هكذا)، ما يجعلها نافذة حكماً بقوة القانون وملزمة بطبيعتها تبعاً لصفتها الإدارية تلك. بحيث يعود للقضاء العدلي أن يلتزم بمضمونها حتى يَصدر عن مجلس شورى الدولة، المختص وظيفياً بالنظر بشرعيتها، قرارٌ يقضي بوقف تنفيذها او بإبطالها. على نحو ما حصل بالنسبة للتعميم 151 تاريخ 21/4/2020 ، حيث إتخذ مجلس شورى الدولة قراراً بوقف تنفيذه تحت رقم 213/2021 بتاريخ 21/2/2021.

ج/3- وإن النظام البديل/ الإنتقالي المسند الى تعاميم مصرف لبنان إنما يأتلف مع القواعد الوضعية التي تنظّم كيفية تعامل المدين المتعسّر (المصرف الوديع) مع دائنيه (مودعيه). تلك القواعد التي نصّ عليها قانون التجارة (مادة 594)، كما نصّ عليها قانون العقوبات اللبناني (مادة 690 و699).

بحيث يوفّر هذا النظام البديل العدالة والمساواة بين المودعين، فلا إمتياز ولا مفاضلة في ما بينهم. على أساس أن
كتلة السيولة النقدية المتبقية للمصارف لدى مصرف لبنان (موجودات التفليسة Actifs de la faillite c.com.531 أو أموال التفليسة Actifs de la faillite c.com.594) توزّع بالتساوي والعدالة (au marc le franc) على سائر المودعين.

ج/4- وإن حالة الشحّ في سيولة المصارف تشكّل واقعة مادية ثابتة لدى العموم (بمفهوم 141 أ.م.م.). كما وإن مقدار السيولة المتبقية للمصارف لدى مصرف لبنان هي أيضاً واقعة مادية ثابتة لدى العموم (بمفهوم 141 أ.م.م.).
وإنه لا بدّ من الأخذ بهاتين الواقعتين من قبل القضاء، اللتان تحدّدان حجم السيولة (موجودات المصارف) القابلة للتوزيع على المودعين على مجمل الأراضي اللبنانية. وذلك حتى تتحقّق المساواة بين المودعين المتقاضين وغير المتقاضين.

ج/5- ولو لم تتنكّر السلطة لمديونيتها السيادية، كما أسلفنا، لما وقعت المصارف في حالة شحّ في سيولتها، ولما عجزت عن ردّ ودائع المودعين لديها، ولما تمّ إخضاعها لإعادة الهيكلة بالقانون الذي أقره المجلس النيابي مؤخراً تحت رقم 23/2025 بتاريخ 31/7/2025 والمنشور في الجريدة الرسمية بالملحق رقم 36 تاريخ 21/8/2025 بعنوان “قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها “.

بدليل أن القانون المذكور لم ينسب الى المصارف أي خطأٍ في إدارتها بل أوعز اليها إعادة تكوين رساميلها حتى تعود الى ممارسة أنشطتها المصرفية بصورة عادية، بعدما خسرت سيولتها تلك بفعل السلطة إياها التي أوقعتها في حالة الشحّ هذه، كما تمّ تفنيده أعلاه.

خ/6- فيكون المنحى الإجتهادي الذي يسير عليه القضاء قد تجاوز كل المعطيات (السرديّة) التي أُخضعت لها الوديعة المصرفية بعد 17/10/2019. وأدى :

الى تمييز ومفاضلة المودع الذي يقاضي مصرفه فيُحكم له بكامل وديعته نقداً وذلك على حساب المودع الآخر الذي لا قدرة له على السير بتلك المداعاة. كما والى ضرب قاعدة المساواة بين المودعين، الأمر الذي نهى عنه قانون العقوبات (690 و 699 ق.ع.) كذلك قانون التجارة اللبناني (594 ق.ت.). والى تجاهل حالة القوة القاهرة التي وُضِعَت فيها المصارف، نتيجة قرار السلطة المفاجئ وغير المرتقب وغير المتوقع بالتمنّع عن سداد مديونيتها لمصرف لبنان والمصارف. الأمر الذي ثبّتها في حالة شحّ مستدام في سيولتها فتعذّر عليها ردّ ودائع المودعين لديها.

حتى يخلص، في المحصلة، الى التسبّب بإفلاس المصارف نتيجة إستنفاد من تبقى لها من سيولة لتغطية الأحكام الصادرة لمصلحة فئة معدودة ومقتدرة من المودعين المتقاضين من أصل مئات الآلاف منهم غير المقتدرين في غالبهم على التقاضي، الذين لم يبقَ لهم إلاّ الدخول في طابق تفليسة هذه المصارف التي غالباً ما تكون خاويةً من الموجودات، في ظل الضمانة البخسة التي توفرها المؤسسة الوطنية لضمان الودائع لودائعهم (75 مليون ليرة لبنانية للمودع عن مجمل حساباته المصرفية).

د- في الخلاصة :

د/1- بات يتعيّن على القضاء أن لا يتجاهل النظام القانوني الإنتقالي البديل عن النظام القانوني العام الذي أُخضعت له الوديعة المصرفية بعد 17/10/2019، وأن يحكم بإخضاعها لاحكامه. لأنه يوفّر توزيع السيولة المتبقية للمصارف لدى مصرف لبنان على المودعين لديها، بعدالة وبالتساوي في ما بينهم، دونما أي تمييز او مفاضلة بين مودع وآخر. وذلك وفق ما تقتضيه أحكام قانون العقوبات وقانون التجارة اللبناني، التي تمنع المدين المتعسّر (المصرف الوديع) او المفلس من أن يفاضل أحد دائنيه على الآخرين أو أن يتصرّف بأمواله على نحو يضرّ بحقوق سائر دائنيه. كما تمنع القضاء، على ذات القدر، من أن يكرّس بأحكامه ذلك التمايز او تلك المفاضلة.

د/2- وإلاّ، عاد له، استطراداً وعلى سبيل الاحتياط، أن يعلّق السير بالمحاكمة، الى حين صدور التشريع الجديد (قانون الانتظام المالي) الذي يرمي الى إخضاع الوديعة المصرفية المتكوّنة قبل 17/10/2019 الى نظام قانوني جديد خاص بها. يتمحور حول توزيع ما تبقى من سيولة نقدية للمصارف لدى مصرف لبنان بالتساوي على المودعين لديها الى حدّ سقف مالي قدره /100000/ ماية الف دولار أميركي لكل مودع عن مجمل حساباته المصرفية على مدى أربع سنوات. ما يشكل إيحاءً للقضاء عن كيفية فصل المشترع لمسألة سداد الودائع المصرفية بالعملة الأجنبية نقداً التي تعود الى ما قبل 17/10/2019.

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها