المصدر: صوت لبنان
في لبنان… السيارات الكهربائية تعمل على المازوت!
رغم الانقطاع المزمن للكهرباء والاعتماد شبه الكامل على المولدات الخاصة، يشهد سوق السيارات الكهربائية في لبنان ازدهارا غير مسبوق. مفارقة تبدو عجيبة، بلد يعيش في العتمة، وسكانه يشحنون سياراتهم بـ«كهرباء المازوت». فكيف يفسر هذا الانتعاش؟ وما كلفته البيئية الخفية؟
حوافز مغرية تدفع السوق
أول ما يغذي هذه الموجة هو السياسة الضريبية المشجعة. فقد أبقت الحكومة اللبنانية على الإعفاء الكامل للسيارات الكهربائية من الرسوم الجمركية ورسوم التسجيل في موازنة 2024، ما جعل أسعارها أكثر جاذبية، خصوصا للطرازات الصينية الأرخص ثمنا.
يضاف إلى ذلك أن ارتفاع أسعار البنزين جعل الكيلومتر الكهربائي أوفر بكثير، طالما وجد مصدر للكهرباء، سواء من ألواح شمسية أو من الشبكة العامة. هكذا باتت السيارات الكهربائية خيارا اقتصاديا جذابا رغم الانقطاع المستمر.
الطاقة الشمسية تدخل المعادلة
منذ الانهيار الاقتصادي عام 2019، ازدهرت مشاريع الطاقة الشمسية المنزلية في لبنان، وأصبحت ملاذا للأفراد والمؤسسات. هذا الانتشار منح بعض أصحاب السيارات الكهربائية فرصة الشحن خلال ساعات النهار من طاقة نظيفة نسبيا.
وفي بعض المناطق، برزت مبادرات محلية لإنشاء محطات شحن هجينة تعمل جزئيا على الطاقة الشمسية، ما أضفى طابعا مستداما نسبيا على هذه التجربة الجديدة.
الوجه المظلم كهرباء ملوثة
لكن خلف هذا المشهد الواعد، وجه مظلم لا يرى بالعين المجردة. فالكثير من السيارات الكهربائية تشحن في الواقع من مولدات ديزل تنفث دخانها بين الأبنية السكنية. وهنا تتبدد الصورة «الخضراء»، السيارة لا تصدر انبعاثات من عادمها، لكنها تنقل التلوث إلى مولد الكهرباء.
تشير دراسات بيئية إلى أن المولد الواحد ينتج نحو 0.8 إلى 1.3 كيلوغرام من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلوواط/ساعة، أي أن شحن بطارية واحدة قد يطلق عشرات الكيلوغرامات من الغازات الدفيئة، فضلا عن الجسيمات الدقيقة السامة التي تهدد صحة السكان في المدن المكتظة.
بين الاقتصاد والبيئة… معادلة غير متوازنة
في الظاهر، تبدو السيارات الكهربائية إنقاذا من أزمة الوقود، لكنها ليست بعد حلا بيئيا حقيقيا طالما الكهرباء تأتي من الوقود الملوث. فالتحول إلى النقل الكهربائي لا يكتمل إلا بشبكة طاقة نظيفة، أو ربط الحوافز الحكومية بأنظمة شحن تعتمد الطاقة الشمسية.
بدون ذلك، تبقى الفائدة منقوصة، استبدال أنبوب العادم بدخان المولد، لا أكثر.
كهرباء على المازوت… صورة بلد يعيش التناقض
في النهاية، تكشف قصة السيارات الكهربائية في لبنان حقيقة أعمق من مجرد خيار تنقل جديد. إنها مرآة لبلد يحاول أن يواكب العالم من وسط العتمة، فيستورد التكنولوجيا قبل أن يبني البنية التحتية، ويبحث عن المستقبل بوسائل الماضي.
السيارة الكهربائية هنا ليست رمزا للتحول البيئي، بل رمز للتناقض اللبناني المزمن، رغبة بالتقدم تعيقها طاقة ملوثة، وطموح بالحداثة تحاصره واقعية الأزمات.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها