فرانسوا ضاهر

الأثنين ٨ أيلول ٢٠٢٥ - 11:03

المصدر: صوت لبنان

في مشروعية سلاح المقاومة 

 

١- إنه لا مجال ولا مكان لبحث مشروعية سلاح حزب الله من الزاوية الدستورية التي طرحها البعض. ذلك أن هذا السلاح هو من الادوات العسكرية التي تمّ إستخدامها لتحرير أرض الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي. وإن كل أداة عسكرية أيّاً تكن غايتها، ومهما سمت هذه الغاية، فإنها لا تخرج عن كونها خاضعة، لجهة اكتسابها مشروعيةً من عدمه، لقرار السلطة الإجرائية التي تمنحها تلك المشروعية او تحجبها عنها. كما وإن قرار السلطة الإجرائية هذا يبقى خاضعاً بدوره لرقابة ومحاسبة السلطة المشترعة سلطة المجلس النيابي.

بحيث باتت تُقارب مسألة شرعية سلاح الحزب من عدمها لغرض الفصل فيها، من خلال مندرجات وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّت أسسَ وركائزَ ومفاصلَ إعادة بناء الدولة اللبنانية بعد الحرب الاهلية التي عصفت بلبنان منذ ١٤ نيسان ١٩٧٥ ولم تُحط أوزارها الاّ عند توقيع تلك الوثيقة من قبل القادة السياسيين في حينه، في مدينة الطائف بالمملكة العربية السعودية في ١٩٨٩/١٠/٢٢ والتي صدّقها فيما بعد المجلس النيابي في ١٩٨٩/١١/٥.

٢- علماً أن تلك الوثيقة تتألف من أربعة فصول.
وقد نصّ الفصل الثاني منها على “كيفية بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية”. بحيث تقوم حكومة الوفاق الوطني بوضع خطة أمنية مفصلة مدتها سنة، هدفها بسط سلطة الدولة اللبنانية تدريجياً على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية، وتتسم خطوطها العريضة بالآتي :

“الإعلان عن حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها الى الدولة اللبنانية خلال ستة أشهر تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وإنتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني وإقرار الإصلاحات السياسية بصورة دستورية”.

أما في الفصل الثالث من تلك الوثيقة الذي يختص “بكيفية تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي”، فقد ورد “بأن إستعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً فإنها تتطلّب الآتي :

“أ- العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإزالة الإحتلال الاسرائيلي إزالة شاملة.

“ب- التمسّك بإتفاقية الهدنة الموقّعة في 23 آذار 1949.

“ج- إتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الإحتلال الاسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً. والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارىء الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الإنسحاب الاسرائيلي ولإتاحة الفرصة لعودة الأمن والإستقرار الى منطقة الحدود”.

٣- أما الترجمة او التطبيق العملي لتلك البنود، نسبةً الى الواقع السياسي الذي كان قائما في تلك الحقبة، بدءاً من سنة ١٩٨٩ فصاعداً، والمحكوم من الوصاية السورية ومقتضياتها، فقد تمثّل :

٣/أ- بأن أبقت السلطة السياسية في لبنان على حزب الله وسلاحه خارج الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية التي تمّ تسليم أسلحتها الى الدولة اللبنانية.

٣/ب- وبأن رخّصت له بالإستئثار بالعمليات العسكرية المقاومة للإحتلال الاسرائيلي للأراضي اللبنانية في الشريط الحدودي.

٣/ج- وبأن أبعدت وأقصت الجيش اللبناني عن كل دور له في عملية التحرير تلك.

وقد بقي الحال على هذا المنوال، حتى إندلعت العمليات العسكرية المتبادلة وإشتدت بين حزب الله ودولة إسرائيل والتي إنتهت بتفاهم 26 نيسان 1996. بحيث أتى بعد ذلك تطبيق القرار 425 الصادر في 19 آذار 1978، وصولاً الى إعلان تحرير الجنوب من الإحتلال الاسرائيلي له في 25 ايار 2000.

وبذلك يكون حزب الله، منذ ذلك التاريخ الاخير، قد أنهى شرعاً عمله المقاوم وأسقط مشروعية سلاحه.

غير أنه إستمرّ في إستجرار هذه المشروعية بتغطية من السلطات الدستورية، له، من خلال مضمون البيانات الوزارية التي كانت الحكومات المتعاقبة تنال ثقة المجلس النيابي على أساسها.

وذلك على إعتبار أن بعضاً من الأراضي اللبنانية ما زالت محتلّة من العدو الإسرائيلي. لا سيما مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر والنقاط الخلافية الثلاث عشرة (١٣) الواقعة على مستوى الحدود المرسّمة والمرفقة بإتفاقية الهدنة لسنة 1949 والحدود المرسّمة بالخط الأزرق إثر تطبيق القرار 425.

٤- غير أنه في 12 تموز من سنة 2006 أعلن حزب الله الأعمال الحربية ضد دولة إسرائيل، ما إستجرّ حرباً طاحنة على لبنان عامةً وعلى الجنوب اللبناني خاصةً، إنتهت بالقرار 1701 الذي ألزم إسرائيل بالإنسحاب من الأراضي اللبنانية التي كانت قد إحتلتها.

علماً أن تلك الحرب لم تكن ذات “طابع تحريري” (caractère libératoire) لما تبقى من نتوءات جغرافية متنازع عليها مع دولة إسرائيل. بل جاءت ضمن مقتضيات مشروع إقليمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي انخرط فيه حزب الله وجعل نفسه فيه أحد أشدّ أذرعه. ما أضفى على تلك الحرب “الطابع الفئوي”(caractère sectaire) وليس “الوطني” (national) بمعنى التحريري للأرض اللبنانية، كما وليس “العربي” (panarabe) بالمعنى الجامع في ما بين سائر الدول العربية لتحرير أرض فلسطين من الكيان الصهيوني الغاصب لها.

لكن السلطات اللبنانية، تحت وطأة حزب الله وهيمنته على الداخل اللبناني، تمكّن من إنتزاع تغطيتها له مرة جديدة. ما أقحمها في تحمّل أعباء تلك الحرب وعدم تجريده من مشروعية سلاحه. وهو الواقع، الذي إستغلّه الحزب لتعزيز قدراته العسكرية وتوسيع رقعة نفوذه داخل لبنان، من خلال أحداث 7 أيار 2008، وإتفاق الدوحة الذي عقبها في 21 أيار 2008، مروراً بمظاهرة القمصان السود في 18 كانون الثاني 2011، وصولاً الى إسقاط ثورة 17 تشرين الأول 2019.

كما وإن حزب الله، مستفيداً من تغطية السلطة في لبنان وغالبية الطبقة الحاكمة، له، قد تمكّن من تعزيز نفوذه في المشروع الإيراني في المنطقة حتى أصبح الذراع الأشدّ عقائدياً والأقوى عسكرياً، وذلك عن طريق تعزيز ترسانته العسكرية الى حدّ تهديده بإزالة دولة إسرائيل عن الخريطة الكونية.

وقد إستمرّ على هذا النهج الإنفلاشي على الأراضي اللبنانية والإتباعي لمؤسسات الدولة الرسمية، له، حتى إندلاع حرب غزة في 7 تشرين الأول 2023. فإذ به ينخرط فيها في 8 تشرين الأول 2023 حتى إنتهت به تلك الحرب الى توقيعه إتفاقية 27/11/2024. تلك الإتفاقية، التي صدّقتها الحكومة اللبنانية بإجماع أعضائها، وإقترن تنفيذها بقرارات مجلس الوزراء التي إتّخذت في جلستي 5 و7 آب من السنة الجارية (2025).

٥- بحيث يصحّ الإستنتاج بأن السلاح المقاوم لحزب الله قد إنتهى دوره بتحرير الجنوب اللبناني من الإحتلال الاسرائيلي في 25 أيار 2000. وإن مشروعية هذا السلاح قد مُدِّد لها بتغطية من السلطات الدستورية، بدون مبرّر شرعي وطني، بعد هذا التاريخ حتى توقيعه هو على اتفاقية 27/11/2024. التي نزعت عن سلاحه كل مشروعية. بدليل أنه وافق، وفق مضمون تلك الاتفاقية، على تسليمه في كلّ الأراضي اللبنانية الى الدولة اللبنانية.

بخاصة وأن الحرب التي خاضها ضد دولة إسرائيل بدءاً من 8/10/2023 لم يكن لها طابعاً وطنياً دستورياً، بمعنى موافقة السلطات الدستورية اللبنانية على خوضها، بل شكّلت مواجهة وجودية بين مشروع الجمهورية الاسلامية الإيرانية في المنطقة العربية والكيان الاسرائيلي القائم في تلك المنطقة، إنطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

وذلك تبعاً لتبعية الحزب لذلك المشروع وتسخيره أرض لبنان كواحة لهذه المواجهة، المجرّدة من أي تغطية دستورية، ما يضفي على سلاحه طابع السلاح غير الشرعي الذي يتعيّن على الدولة اللبنانية جمعه وتسلّمه. حتى بات يوصّف تعنّته في تسليمه بالفعل الجنائي المعاقب عليه، بعدما أسقطت السلطات الرسمية اللبنانية “الصفة المقاومة” عن هذا السلاح وأسقطت بالتالي “الصفة الشرعية” عنه، بموجب إتفاقية ٢٠٢٤/١١/٢٧ ومقررات مجلس الوزراء في ٥ و ٧ آب من السنة الجارية (٢٠٢٥).

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها