المصدر: صوت لبنان
مرحلة سقوط كاريزما السيد حسن نصرالله
شكلت أحداث 7 و8 أيار 2008 (التي بدأت بقرارات الحكومة اللبنانية بخصوص شبكة اتصالات حزبالله واعتبرها نصرالله اعلاناً للحرب) منعطفاً حاداً غيّر طبيعة كاريزما حسن نصر الله في العمق. إذ نقلتها من طور “البطل القومي الجامع” إلى طور “القائد الفئوي المتحزب”، وبدأت الكاريزما والهالة العابرة للطوائف وللحدود بالتصدّع. فلقد حوّلت تلك الأحداث صورته في الوجدان السني والعربي عموماً، وبعد أن كان يُنظر إليه كرمز عربي مقاوم في حرب 2006، أصبح مجرد قائد ميليشياوي يوجّه سلاحه نحو الداخل.
وباتت كاريزميته محصورة جغرافياً وعقائدياً داخل بيئته السياسية والمذهبية المباشرة وداخل محور حلفائه.
ترافق ذلك مع تغير في الخطاب، من “الردع الخارجي” الى “الردع الداخلي”، وصار يستخدم لغة الجسد الهجومية، ما نقل كاريزما الإقناع لديه إلى كاريزما الإخضاع والتخويف السياسي لخصومه المحليين.
وعندما اعتبر لاحقاً الحدث الدامي “يوماً مجيداً”، ترسخ تحويل وجهة السلاح الى الداخل، فتعمق الشرخ، وتم تكريس فائض القوة واسلوب التعالي على اللبنانيين وعلى الدولة.
تعزّزت في هذا السياق “صورة القوة والسيطرة” لدى البيئة الحاضنة. أصبح نصرالله القائد الحامي والمنقذ بالنسبة لمؤيديه، واعتبروه سريع الحسم وقادر على إحباط ما اعتبروه “مؤامرة لتجريد الحزب من سلاحه”. فترسخت كاريزميته لدى بيئته، كـ”ضمانة وجودية” وصمّام أمان يمنع انكسار الطائفة.
وعند خروجه من الأزمة باتفاق الدوحة الذي منجه “الثلث المعطل” (طبعاً بتواطؤ دولي وإقليمي)، أضيف رافداً من روافد تعزيز الصورة الكاريزمية لنصر الله، كصانع قرار أوحد قادر على تطويع المشهد السياسي لصالحه بقوة الأمر الواقع.
هنا تحولت شخصيته الى مادة استقطاب حاد؛ فميزته الخطابية التي كانت تُعد سراً من أسرار جدارته (كالنبرة القاطعة والوعود الحاسمة)، صُنفت لدى الطرف الآخر كأدوات “ترهيب واستعلاء، واستعداء يهدّد السلم الأهلي”.
أما ثالثة الأثافي فكان التدخل العسكري العلني لنصرالله وحزبه في الحرب السورية عام 2013 . فكان التحول الوجودي في طبيعة صورته الذهنية ونوعية الجمهور المستهدف، حيث انقسمت شخصيته الكاريزمية تماماً بين ضفتين متناقضتين: بطل عند المحور، أما على المستوى العربي والإسلامي العام ف “انكسار” للكاريزما واغتراب عنها.
هنا حصل تبدّل للعدو المستهدف: تحول نصر الله في خطاباته من مقارعة إسرائيل إلى تبرير قتال الشعب السوري بذريعة جماعات مسلحة في دولة عربية. هذا الأمر أدى إلى تآكل “كاريزما المقاوم العالمي”، وتحولها في نظر الغالبية العظمى من الوجدان السني والعربي إلى “كاريزما طائفية وإقليمية” تخدم مصالح المحور الإيراني.
فقد بهذا التحوّل الهالة الروحية والأخلاقية، فخسرت خطاباته أي قيمة أخلاقية جامعة كالتي كسبها عام 2006. فالصياغات اللغوية والرموز الدينية التي استخدمها لتبرير القتال هناك (من “حماية المقامات الدينية” ألى “قتال التكفيريين” ) رسّخت عند الشارع العربي اعتباره قائداً مذهبياً في حرب مدمّرة على الشعب السوري.
استعلاء البيئة الحاضنة
أدّى هذا الى تضخم شخصيته كقائد إقليمي إستراتيجي عابر للحدود اللبنانية لدى جمهوره ومحور “المقاومة”. لم يعد مجرد زعيم محلي، بل أصبح شريكاً مباشراً في صياغة مصير الإقليم ورسم الخرائط السياسية والعسكرية في المنطقة (في سوريا، العراق، واليمن).
صاغ صورة القائد الاستباقي والحامي الوجودي: فمعادلة نصر الله الخطابية الجديدة: ركزت على “الأمن الاستباقي” (مثل مقولته: “نقاتل هناك لكي لا نقاتل في قراكم ومدنكم”). هذه السردية عززت كاريزمته كـ”درع وجودي” لجمهوره، ما أدى إلى تعميق الولاء العاطفي والعقائدي لشخصه داخل بيئته.
حدث نتيجة ذلك، تحول وانشطار (Clivage) استراتيجي في الأسلوب والخطاب: انخفض منسوب العفوية وارتفعت النبرة التبريرية في خطاباته، فاتسمت في مرحلة التدخل السوري بالطول والتعقيد السياسي، مع جهد مكثف في سوق الحجج والأدلة التاريخية والسياسية لإقناع المشككين داخل بيئته بجدوى التضحيات البشرية الكبيرة.
وانتقل من الدفاع المحلي اللبناني، الى الهجوم العابر للحدود؛ واكتسبت لغة الجسد نبرة خطابية ذات طابع قيادي أممي، تتوعد قوى عظمى ودولاً إقليمية كبرى. مما عزز شعور الاستعلاء والاستقواء لدى أنصاره.
بإيجاز، حوّلت حرب سوريا كاريزما حسن نصر الله من “نموذج البطل الجامع المحبوب عربياً” إلى “نموذج القائد المحوري المذهبي الاقليمي”؛ حيث أصبح بالنسبة لخصومه رمزاً للتدخل المسلح والاستقطاب، بينما بقي بالنسبة لمؤيديه القائد الإستراتيجي الصلب الذي حمى وجودهم في ذروة العواصف الإقليمية.
المنعطف الآخر التاريخي الذي شكل تحدياً داخلياً غير مسبوق لكاريزما وهالة نصرالله، فكان احداث 17 اكتوبر، التي نقلته من “القائد العابر للطوائف، والرمز المقاوم” المحصن ضد كل نقد، الى موقع الشريك والمدافع الأول عن المنظومة السياسية الحاكمة المتهمة بالسرقة والفساد.
ولأول مرة كُسِر المحظور وأُدرِج اسمه ضمن منظومة “كلن يعني كلن”، بشكل علني وصريح، ورفع مجسم يصوره كمشنوق مثله مثل باقي زعماء الطوائف.
وهذا اصبح مساوياً للمنظومة، وفقد الهالة من القدسية والمهابة التي كانت تحيطه وتجعله بمنأى عن النقد الداخلي المباشر.
شهدت ساحات الاحتجاج، لا سيما في معاقل الحزب التقليدية في جنوب لبنان (مثل النبطية وصور) وبعلبك، تمزيقاً لصور نصرالله وإطلاق هتافات ضده، وهو سلوك كان يعتبر من “المحرمات السياسية” والخطوط الحمراء قبل عام 2019.
أخيراً تمت موضعته ك”حام ٍ ومدافع عن المنظومة بدل الانحياز الى الشعب. فلقد رفض بشكل مطلق اسقاط رئيس الجمهورية (بشخص ميشال عون) أو استقالة الحكومة، بذريعة التسبب بالفوضى والفراغ!! دخل مربع منظومة الفساد والمحاصصة التي ثار ضدها الشعب.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها