الياس كساب

الجمعة ١٧ تموز ٢٠٢٦ - 09:13

المصدر: Independent diaspora

مع إطلاق جائزتها: مي الريحاني تلفُّ خصر لبنان

عظيمةٌ أنتِ يا سيّدتي!

من سوادِ الحروب، وغبارِ الدمار، والدمِ المهدورِ يصرخُ في دساكرنا، من الزمنِ الرديء الذي غيّرَ القِيم، وعمَّمَ الألم، حفرتِ، يا سيدتي، بين لهيبِ الحرائق تستيقظينَ “طائرَ الفينيق” من رمادِ يأسنا، فأتت جائزتُكِ روحاً نستعيد في عافيةِ وطن، وفِعلَ إيمانٍ بلبنانَ عَصِيٍّ على الموت، لأنَّ الحرفَ لا يخبو، والكلمةَ صنوُ الله، فهي “نورُ العالم، والنورُ يُضيءُ الظلمة، والظُلمةُ لم تُدركهُ..”!

مي الريحاني، أنت الجائزة!

أنتِ الجائزةُ لوطنٍ يُرادُ لهُ أن يدفُنَ حُروفَه، وأن يُبدّلَ لبوسَه، فرسمتِ له حروفاً من ذَهب، وحِكتِ له عباءةً من حريرِ فخرِ الدين!

يُرادُ له أن يصُمَّ الآذان عنِ الحقِّ في زمنِ الضجيج الفارغ، والتُرَّهاتِ الإلهيَّة المُبرمة، فخرجتِ تبحثينَ عنِ الأصالة، تُجوهرينَ معدنها الثمين، كي تُزهرَ في عيونِ الجماعةِ أملاً بعد نحيب، لأنَّنا نسينا، ليس ضحكتنا وفرحنا فحسب، بل نسينا حتى كيف نبكي، نسينا أنَّ البكاءَ قوّةٌ إذا كانَ على حبيب، وأنَّ العويل، ما هوَ إلّا ضعفٌ لدى الشعوب لأنّها تندبُ ذاتَها، ونحنُ، مذ عشتروت، لا يهزمنا الموت!

يُرادُ لهُ أن يكفرَ بالحياة، باسم الآلهة: فالفنُّ زندقة، واللحنُ من الموبقات، إنْ لم يُمجِّدِ الموت، والفكرُ أخطرها على أنصافِ الآلهةِ الجُدُد، فحفرتِ في التاريخ تستذكرين، وتُذكّرين، بأنَّ تُراثنا حيّ، هو الثابت في التاريخ، والمُتحرّكُ في التطوّر، وكلُّ ما عداه مؤقّتٌ وإلى زوال!

يا سيّدتي

من واشنطن، ونيويورك، من عواصم الدنيا، وقد كنتِ، وما زلتِ، “تلفينَ خصرَ الأرض”، لم تبرح الفريكة ملاذَكِ، وشرفتَكِ على الوطن وأهله، تستثمرين في طلاب لبنان من على “كرسيِّ ألبرت ريحاني” في الجامعة الأمريكيّة، تحاضرين في الجامعات، والمنتديات، وتكرّمين الإبداع والمبدعين بنهجِكِ، نهجِ “الريحانيّةِ”، العظيم بلبنانيّته، الفخورِ بانفتاحه على العربِ والعالم! فكأني بكِ، من عالميّتكِ، تلفينَ خصرَ لبنان بفكركِ الراقي، كي يستعيد روحَهُ المسلوبةَ، وينفُضَ عن كواهِلهِ عوالقَ شوّهتهُ!

في تكريم كركلا، كرَّمتِ بعلبك التاريخ والمسرح، وأهل بعلبك الرائدة في العلم والفنون، في الشعر والأدب، في التراث الذي تتوارثُه، وتحدثُّه، وتنشرُهُ رسالةَ سلامٍ إلى مسارحِ العالم، شرقاً وغرباً، فإذا كانت أعمدتها التاريخيّة صامدةً بوجه العواصف، فأعمدتها الفنيّة، والثقافية، مدرسةٌ مُشعّةٌ من “مدينة الشمس” بوجه الظلام والظلمة!

يا سيّدتي

التكريمُ لكِ، تُمسكينَ الحبَّ الكبير بِيَد، وبوصلةَ الوطن باليدِ الأخرى، ولا تيأسين!

كما أمين وألبرت، نحن أيضاً فخورون بكِ، عسى لبنان الجديد يلفُّ معكِ خصرَ الأرض!

المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها