المصدر: MTV
منطقة عازلة فوق هرمز… سيناريو يقلق الحرس الثوري
لم يعد الحديث في الأوساط السياسية والعسكرية يقتصر على العقوبات الاقتصادية أو الضربات العسكرية المحدودة ضد إيران، بل بدأ يتوسع نحو سيناريو أكثر تعقيدًا يجري تداوله في بعض الدوائر الاستراتيجية، يقوم على فرض منطقة عازلة أمنية على طول الساحل الإيراني المطل على مضيق هرمز، بعمق قد يصل إلى عشرة كيلومترات، إذا استمرت طهران في رفض الشروط الأميركية المتعلقة بأمن الملاحة وحرية التجارة الدولية، وفي حال تعذر التوصل إلى تفاهمات تضمن عدم استخدام المضيق كورقة ضغط في أي مواجهة مستقبلية.
ولا ينطلق هذا السيناريو من فكرة احتلال أراضٍ إيرانية أو إسقاط النظام، بل من إعادة صياغة قواعد الاشتباك في الخليج، بحيث تُحرم إيران من استخدام ساحلها المطل على مضيق هرمز كمنصة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة التي يمكن أن تهدد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لكن المنطقة العازلة، وفق هذا التصور، قد لا تكون برية بالمعنى التقليدي. فالتطور الهائل في القدرات العسكرية الأميركية يجعل فرض الهيمنة الجوية والبحرية أكثر واقعية وأقل كلفة وأكثر فاعلية من أي انتشار بري. فمن خلال الطائرات المقاتلة والقاذفات الاستراتيجية، والطائرات المسيّرة، وطائرات الإنذار المبكر، والأقمار الصناعية، والأساطيل البحرية، وأنظمة الدفاع الجوي، يمكن مراقبة أي تحرك عسكري داخل هذا العمق واستهدافه فورًا، من دون الحاجة إلى وجود قوات برية دائمة.
وبذلك تتحول المنطقة العازلة إلى منطقة حظر عملياتي تُفرض بقوة النار والتفوق الجوي والبحري، لا إلى شريط جغرافي تحت الاحتلال. فالهدف ليس السيطرة على الأرض، بل السيطرة على القدرة العسكرية داخل هذه الأرض، ومنع استخدامها لتهديد أمن الملاحة الدولية.
ويرى بعض المراقبين أن مجرد تداول هذا السيناريو يعكس تراجع القناعة داخل بعض الدوائر الغربية بإمكانية تأقلم الحرس الثوري مع الشروط الأمنية التي تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تثبيتها في الخليج. فالمشكلة، وفق هذا التحليل، لم تعد تقتصر على البرنامج النووي أو الصاروخي، بل أصبحت مرتبطة بعقيدة عسكرية تعتبر مضيق هرمز أحد أهم أدوات الردع والضغط التي تمتلكها إيران.
ولهذا، ترى هذه القراءة أن أي اتفاق سياسي لن يكون كافيًا إذا بقي الحرس الثوري يحتفظ بالقدرة على تهديد الملاحة الدولية كلما تصاعدت الضغوط على طهران. وإذا وصلت واشنطن إلى قناعة بأن المؤسسة العسكرية الإيرانية غير قادرة أو غير راغبة في التكيف مع هذه المعادلة، فقد تنتقل، وفق هذا السيناريو، من سياسة تغيير السلوك إلى سياسة حرمانها من القدرة على ممارسة هذا السلوك أصلًا.
ومن هنا، لا يصبح الهدف تغيير النظام الإيراني، بل تغيير البيئة الاستراتيجية التي يتحرك فيها الحرس الثوري، وسحب أهم أوراق القوة التي راكمها خلال العقود الماضية. فبدل انتظار التزام قد لا يأتي، يصبح الخيار فرض واقع عملياتي جديد يجعل أي تحرك عسكري باتجاه المضيق مكشوفًا وخاضعًا للرصد والرد الفوري.
وإذا تحقق مثل هذا السيناريو، فإن انعكاساته ستكون كبيرة على الداخل الإيراني. إذ سيُنظر إليه باعتباره تراجعًا استراتيجيًا غير مسبوق، لأنه ينتزع من الحرس الثوري أهم أدوات النفوذ العسكري، ويحوّل الساحل الإيراني المطل على هرمز إلى منطقة مراقبة دائمة، بما يحد من حرية الحركة التي اعتمد عليها لسنوات، ويضعف قدرته على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي.
كما ستكون التداعيات الاقتصادية كبيرة، لأن مضيق هرمز لن يعود ورقة يمكن استخدامها لابتزاز الأسواق العالمية أو التأثير في حركة الطاقة، بينما ستزداد الضغوط الداخلية على القيادة الإيرانية لإعادة النظر في سياساتها الإقليمية والعسكرية.
وفي المقابل، لا يخلو هذا السيناريو من تحديات قانونية وسياسية وعسكرية، إذ إن أي خطوة من هذا النوع قد تُفسَّر على أنها مساس بالسيادة الإيرانية، كما أنها تحتاج إلى توافق دولي واسع لتجنب تحولها إلى مواجهة إقليمية شاملة.
ومع ذلك، فإن مجرد تداول هذه الفكرة يكشف حجم التحول في التفكير الاستراتيجي الأميركي. فبدل الاكتفاء بالعقوبات الاقتصادية أو جولات التفاوض الطويلة، يتجه بعض صناع القرار إلى البحث عن وسائل تمنع إيران من امتلاك أدوات الضغط أساسًا، عبر فرض تفوق جوي وبحري دائم فوق أكثر مناطقها حساسية.
وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تتعامل مع الملف الإيراني من زاوية إدارة الأزمة فقط، بل من زاوية إعادة صياغة ميزان القوى في الخليج بصورة تمنع إيران مستقبلًا من امتلاك وسائل الابتزاز الاستراتيجي. فالهدف، وفق هذه القراءة، لم يعد مجرد اتفاق جديد، بل الوصول إلى مرحلة من الإذعان الاستراتيجي، تُجبر فيها طهران على التكيف مع قواعد أمنية جديدة، سواء عبر التفاوض أو تحت ضغط الوقائع العسكرية.
ومن هذا المنظور، لا تبدو فكرة المنطقة العازلة أو الهيمنة الجوية والبحرية هدفًا بحد ذاته، بل قد تكون إحدى الأدوات التي تُطرح إذا تعذر الوصول إلى تفاهمات تحقق الأهداف الأميركية. فبدل انتظار تغيير سلوك الحرس الثوري، يصبح الخيار تقليص قدرته على التأثير، وحرمانه من استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط عسكرية أو اقتصادية.
فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالاحتلال البري، بل بالسيطرة على السماء والبحر، وبالقدرة على شل حركة الخصم وفرض قواعد اشتباك جديدة. وإذا كان القرن العشرون قد عرف المناطق العازلة التي ترسمها الجيوش على الأرض، فإن القرن الحادي والعشرين قد يشهد مناطق عازلة تُدار من الجو والبحر، حيث تصبح السيطرة على المجال العملياتي أكثر أهمية من السيطرة على الأرض نفسها.
وعليه، فإن السؤال الذي قد يفرض نفسه في المرحلة المقبلة لن يكون ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك القدرة على فرض مثل هذا الواقع، بل ما إذا كانت القيادة الإيرانية، وخصوصًا الحرس الثوري، ستختار التكيف مع المعادلة الأمنية الجديدة قبل الوصول إلى هذه المرحلة، أم أن استمرار الرفض سيدفع واشنطن وحلفاءها إلى الانتقال من مرحلة الضغوط والعقوبات إلى مرحلة فرض الوقائع الاستراتيجية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ويبقى ذلك، حتى الآن، في إطار السيناريوهات والتحليلات المتداولة، وليس سياسة أميركية معلنة.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها