المصدر: Independent عربية
“هرمز” يخنق سواحل إيران
البحر هائج ومضطرب، ومن ربان السفينة والصياد إلى عامل الميناء وصاحب المتجر في الأسواق الساحلية، لم يعد أحد يشعر بالأمان.
انقطعت سبل الرزق، ولم يعد لتقلبات أسعار النفط صعوداً وهبوطاً أي أثر في تحسين الأوضاع المعيشية الآخذة في الانهيار، فالجميع يحدقون في البحر مترقبين نهاية وضع يزداد خنقاً عليهم يوماً بعد آخر.
وبإغلاق النظام الإيراني مضيق هرمز وفرضه واقعاً حربياً فيه، يسعى إلى احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة، لكن ما يغفل عمداً وسط ضجيج التصعيد العسكري هو مصير مئات الآلاف من أبناء المنطقة.
وبالنسبة إلى السكان المحليين، من بندر عباس وجزيرة كيش إلى تشابهار وكنارك، ممن لا يملكون أي مصدر دخل سوى البحر، فإن أول ما يتوقف في هذا الممر المائي قبل السفن التجارية وناقلات النفط العملاقة، هو حركة مراكب الصيد والقوارب التي ترتبط بها أرزاقهم، فقد كانت الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحر في جنوب إيران تعاني، حتى قبل اندلاع الحرب، ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع أسعار الوقود، وقيود الصيد، وتهالك الأسطول البحري، واتساع نطاق الصيد الصناعي، وتقلب اللوائح المنظمة لحمولة المراكب التجارية الصغيرة، فضلاً عن غياب التغطية التأمينية، واليوم تضاعفت هذه الضغوط وبات السكان يدفعون أيضاً ثمن سياسة يصفها النظام بأنها “أداة للردع”.
وتظهر المعاينات الميدانية أن حياة آلاف الصيادين وعمال الموانئ وباعة الأسماك وأصحاب القوارب وفنيي صيانة المراكب والحمالين، وصغار التجار على الشريط الساحلي في جنوب إيران، باتت خلال الأشهر القليلة الماضية مهددة بصورة جدية، ولم يعد أمامهم اليوم سوى الاختيار بين مواصلة العمل، على رغم الأخطار التي تفرضها الأوضاع الحربية في البحر المضطرب، أو البقاء على الشاطئ ومواجهة الجوع.
مهن مرتبطة بالبحر جنوب إيران
لا يقتصر الاقتصاد البحري في جنوب إيران على الصيادين الذين يغامرون بالإبحار على متن القوارب والمراكب الصغيرة، فقد حُرم جنوب إيران، شأنه شأن شرق البلاد وغربها وسائر المناطق الحدودية، طوال العقود التي أعقبت الثورة، التنمية المستدامة وتوفير فرص العمل والاستثمار والدعم الحكومي الفعال، مما جعل البحر مصدر الدخل الوحيد لآلاف الأسر، وبعبارة أخرى فإن معظم السكان المحليين في المنطقة يعملون ضمن حلقات متصلة من المهن المرتبطة بالبحر، وتعتمد سبل عيشهم جميعاً على ازدهار هذا الممر المائي، بدءاً من الربابنة والبحارة وأفراد طواقم المراكب، مروراً بعمال التفريغ والتحميل وبائعي الثلج وأصحاب مخازن التبريد وباعة الأسماك وصانعي شباك الصيد، والميكانيكيين وبائعي قطع غيار محركات القوارب، وأصحاب قوارب السياحة ونقل الركاب بين الجزر، والعاملين في تجارة حمولة المراكب الصغيرة، وباعة الأسواق الساحلية، وصولاً إلى سائقي مركبات نقل الأسماك والبضائع إلى المدن الأخرى، وكذلك تعتاش نساء كثيرات من تنظيف الأسماك والروبيان وتجفيفهما وبيعهما، ولهذا فإن انعدام الأمن في مياه الجنوب يعني انقطاع سلسلة معيشة السكان المحليين، فمع توقف محركات المراكب تتعطل سلسلة من الأعمال الصغيرة ومصادر الدخل اليومية، بدءاً من الموانئ وأسواق الأسماك، وصولاً إلى مخازن التبريد والمتاجر الصغيرة في المدن الساحلية.
النظام يضغط على سكان المنطقة
على مدى الأعوام الماضية، طرح متشددون داخل النظام الإيراني مراراً فكرة إغلاق مضيق هرمز، وكان رئيس تحرير صحيفة “كيهان”، حسين شريعتمداري، من أبرز المدافعين عن هذا التوجه، إذ وصف في مناسبات عدة إغلاق الممر المائي بأنه “ورقة ضغط” بيد النظام الإيراني في مواجهة الغرب، وبعد أعوام ظل فيها هذا الطرح يقتصر على التهديدات والشعارات السياسية، دخل مرحلة جديدة مع اندلاع الحرب في الـ 28 من فبراير (شباط) 2026، وبعد وقت قصير من الهجمات الأميركية والإسرائيلية، وجه الحرس الثوري تحذيرات إلى السفن، معلناً أن عبور مضيق هرمز لم يعد مسموحاً، وإثر ذلك غيرت كثير من السفن مساراتها أو توقفت في الموانئ، وخلال الأسابيع التالية أدى استهداف عدد من ناقلات النفط والسفن التجارية، والارتفاع الكبير في كلفة التأمين البحري، وانتشار القطع البحرية الأميركية، وتصاعد الوجود العسكري في الخليج العربي، إلى تحويل هذا الممر المائي إلى أحد أبرز ساحات المواجهة، وبعد إعلان وقف إطلاق النار ردت الولايات المتحدة وحلفاؤها بفرض حصار بحري على النظام الإيراني، شمل عملياً إغلاق مضيق هرمز في وجهه.
المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها